بحثا عمّا يجري في مخيم نهر البارد بين روايات شهود وروايات الإعلام: “ميدان تحرير” في المخيم مقابل تغطية أمنية للإعلام

نقلا عن “جدران بيروت“- 19 حزيران

من “ميدان تحرير” نهر البارد

بين مقتل شابين فلسطينيين يوم الجمعة والاثنين الماضيين برصاص الجيش اللبناني، عاش مخيم نهر البارد “ميدان تحرير” لـ 3 أيام. هذه معلومة، على أهميتها، لا تجدها في تغطية أي من الإعلام اللبناني! يجعلنا ذلك نحاول البحث عن رواية فعلية لما جرى ووضعها مقابل روايات الإعلام اللبناني

بينما اكتفى الإعلام اللبناني يوم السبت الماضي، بعد يوم من حادثة قتل أحمد قاسم (16 عاما)، بنقل وجهات النظر الرسمية اللبنانية خصوصا التي يحرص الجيش على تلقينها للإعلام، تمكن موقع “نهر البارد” الإلكتروني من بث لقاءات مع المعنيين مباشرة بالأحداث: سائق الدراجة النارية، وشقيق القتيل أحمد قاسم، وبث لقطات من تظاهرات الشباب الفلسطينيين.

بحسب موقع “نهر البارد”، أظهر سائق الدراجة هويته وورقة ثبوتية في الفيديو، فكذب بذلك رواية الجيش اللبناني التي نقلها بعض (*) الإعلام. وصرخ “ماذا يريدون منا؟… أخذوا  كل شيء! أخذوا دمنا…”. وبدا من حديث الشاب خلفية ما يجري في نهر البارد منذ خمس سنوات، وقد غابت هذه الخلفية أيضا عن تغطية الإعلام اللبناني بكافة أطيافه بعد يوم من الحادث.

ماذا كانت روايات الإعلام اللبناني بعد يوم من قتل أحمد قاسم، وخصوصا روايات الصحف الأكثر رصانة عادة من إثارة التلفزيونات؟ في الجانب الأول المتعلق بنقل الخبر مهنيا، لم تشر صحيفة “الأخبار” يوم السبت إلى الحادثة لا من قريب ولا من بعيد! والحق يقال وبغض النظر عن ميول “الأخبار” السياسية فإنها كانت الأكثر جرأة عادة في تغطية أخبار مخيم نهر البارد منذ سنوات فتعرضت لتهديدات سابقة جرّاء ذلك، فماذا نتوقع من بقية الإعلام اللبناني؟ جريدة “الحياة” كانت أيضا غائبة عن الحادث ولم تشر إليه. حاولت جريدة “السفير” الاقتراب بحذر شديد مما يجري، فكتبت في صفحة داخلية خبرا صغيرا تتحدث فيه عن حادثة الدراجة النارية للفلسطيني وسقوط قتبل وجرحى ذكرت فيه اسم القتيل احمد قاسم ولم تذكر جنسيته. جريدة “النهار” فبركت الخبر بابتعاد كبير عن أدنى حدود المهنية حيث أشارت، ومن دون ذكر مصدر معلوماتها (“مصدر عسكري” مثلا) إلى أن الجيش قام بتوقيف ثلاثة شبان فلسطينيين على حاجز للجيش عند مدخل المخيم “بلا أوراق ثبوتية” فهاجم شبان الحاجز “بضراوة”، مما “اضطر” الجيش إلى إطلاق الرصاص في الهواء فسقط قتيل، وقد علّق شخص في “الفيسبوك” على تغطية “النهار” قائلا: “قتل فلسطيني يطير في الهواء!”. كان واضحا أن جريدة “النهار” تدافع عن الجيش بغض النظر عن المهنية الإعلامية.

أما الجانب المتعلق بالخلفية، فإن أيّا من الصحف، باستثناء “النهار”، لم تشر إلى أي خلفية. بل أن تلفزيون “العربية” تحدث يوم الجمعة الماضية عن “إشكال فردي”. الغريب في الأمر، والذي يظهر كارثة التغطية الإعلامية اللبنانية، أن شمال لبنان يشهد منذ أسابيع أوضاعا حساسة كان من شراراتها ممارسات أمنية تمثلت بخطف موقوف من قبل الأمن العام وتصريح مدير الأمن العام بأنه من “القاعدة”! وتلاها قتل حاجز للجيش اللبناني شيخا لبنانيا على حاجز للجيش، الأمر الذي أشير إليه على أنه نتيجة افتعال أمني من جانب النظام السوري في شمال لبنان ردّا على احتضان شمال لبنان للنازحين السوريين واعتباره منطقة مؤيدة للثورة السورية، وحاولة الإيحاء بأن السلفيين يهاجمون النظام السوري بعد رسالة النظام السوري بهذا الشأن إلى الأمم المتحدة، الأمر الذي يعيد بدوره إلى ظهور “فتح الإسلام” في عامي 2006 و 2007 في نهر البارد حيث تمكن تنظيم أطلق سراح قائده، شاكر العبسي، من سجن سوري ليُستقبل فجأة في مخيم نهر البارد من جانب تنظيم “فتح الانتفاضة” الموالي للنظام السوري. كل هذا يفترض أن يدفع فضول الإعلام إلى اهتمام إعلامي فائق لما يجري في مخيم نهر البارد في شمال لبنان. لكن الإعلام، عندما تعلق الأمر بقصة مخيم نهر البارد، دخل في غيبوبة أو تحول إلى ناطق باسم الجيش.

كانت تلك خليفة افتراضية يمكنها أن تدفع الإعلام لتغطية تفصيلة للحدث. لكن الخلفية الفعلية لما يجري في نهر البارد فهي تتعلق بخلفية الممارسات القمعية والعنصرية في نهر البارد التي تجري منذ سنوات حيث تعيش منطقة سكنية فلسطينية حصارا عسكريا وعقابا جماعيا بسبب ظهور تنظيم “فتح الإسلام” الذي اشتبك معه أهالي المخيم أكثر من مرّة قبل حرب 2007، بينما صمت الجيش اللبناني عنه آنذاك قبل أن يقرر التنظيم مهاجمة الجيش على خلفية اشتباك جرى في مدينة طرابلس. بعد حرب نهر البارد، قام أفراد من الجيش اللبناني بسرقة بيوت سكان أهالي نهر البارد (فلسطينيين ولبنانيين) كما وثقته تقارير حقوقية ذات مصداقية وبحسب أفلام تظهر ذلك (*)، وقاموا بحرق البيوت، وعذبوا مثات الشباب الفلسطينيين في اعتقالات غير قانونية وهو ما وثقته منظمة “هيومان رايتس ووتش” أيضا (*)، وبعد قتل أكثر من 40 مدنيا فلسطينيا خلال القصف العشوائي للمخيم في العام 2007 خصوصا في الأيام الأولى من الحرب (وجرت الإشارة في الإعلام إلى ضحايا الجيش اللبناني فحسب)، فرض الجيش اللبناني بمباركة رسمية (حكومة 14 آذار آنذاك) حصارا شاملا على أهالي المخيم المدنيين. جرف ما يعرف بالمخيم القديم كاملا ومنع الناس الذين طالبوا بالعودة إليه، وأحيط “المخيم الجديد” في نهر البارد بالأسلاك الشائكة وحواجز الجيش، وفرضت تصاريح من قبل مخابرات الجيش على سكان المخيم ليدخلوا إلى مخيمهم، وجرت إعاقة إعادة إعمار المخيم.

ما يؤكد هذه الخلفية وشرارتها ما جرى منذ مقتل أحمد قاسم في المخيم فهي الهتافات والمطالب في مخيم البارد، والتي جرى توثيقها أيضا في فيديوهات موقع “نهر البارد” (*). وما يؤكدها أيضا هو هتافات الشباب ضد الفصائل الفلسطينية أيضا، ويؤكدها أيضا أن وفدا من مشايخ من عكار زار المخيم تضامنا، بحسب روايات مشاركين، فاستقبله الشباب من دون أن يعطوهم الميكروفون ليلقوا كلمة، مما يبعد تفسيرات تتعلق بافتعال الأحداث أمنيا، ويؤكد حرص الشباب المستقلين على استقلالية تحركهم في الأيام الثلاثة الماضية. وهنا ننتقل إلى روايات شهود لما جرى في البارد.

بعد قتل الجيش اللبناني لاحمد قاسم، قال مشارك في اعتصام “ميدان نهر البارد” أن الشباب الفلسطينيين نفذوا “ميدان تحرير” بالمخيم، بحسب وصفه، مرددين شعارات منها “الشعب يريد إسقاط التصاريح” (تصاريح مخابرات الجيش لاهالي المخيم ليدخلوا الى مخيمهم). 3 ايام كاملة سيطر فيها الشباب على المخيم من الداخل فيما تراجع الجيش الى حواجزه التي يحاصر بها المخيم منذ 5 سنوات. ردد الشباب شعارات منها “الشعب يريد اسقاط التصاريح” وهتفوا ضد الفصائل الفلسطينية، وامتد ذلك الى مخيم عين الحلوة حيث هتفوا ضد الفصائل: “هرّي هرّي هرّي ….”. ويمكن مراجعة الفيديوهات المختلفة على موقع “نهر البارد”(*). كل هذا لم يجد حيزه في الإعلام اللبناني المتواطئ مع الجيش والصامت عن دوره المهني وإن بدأ هذا الصمت يتخلل الآن.

هذه الخلفية الأولى الأساسية. أما الخلفية الأوسع فهي ظهور أجواء فلسطينية شبابية جديدة ضاقت ذرعا بالسلطات الحاكمة العربية والفلسطينية أيضا إلى جانب هدفها المتمثل بالتحرر الفلسطيني من إسرائيل. المبادرات الفلسطينية المستقلة، بتعاون أحيانا مع أجواء حيوية قليلة متبقية لدى الفصائل الفلسطينية، تعبر عنها تحركات فلسطينية مستقلة تتوالى كان من بينها الارهاصات الاولى لانتخابات مخيم شاتيلا في العام 2005 – وحركة المطالبة بالحقوق المدنية من مكان آخر في العام ذاته- وصولا إلى تشكيل هيئة إعادة إعمار مخيم نهر البارد العام 2008 التي عملت باتسقلالية جنبا إلى جنب التعاون مع الفصائل، واعتصامات أهالي مخيم نهر البارد في المخيم وطرابلس وبيروت العام 2010 لدى محاولة وقف إعمار المخيم، مرورا بنشاط أجواء شبابية فلسطينية في سورية دعما للثورة السورية (وسقط حتى الآن نحو 70 شهيدا فلسطينيا في سورية وأكثر من مئة معتقل وأنشئت تنسيقيات في مخيم اليرموك وغيرها)، وظهور أجواء “الشعب يريد إنهاء الانقسام” في فلسطين وخارجها سنة 2011 مع أجواء الثورات العربية، ثم تحركات ذكرى النكبة العام 2011 بتشجع من أجواء الثورات العربية وبعدما تمكن الشباب من تجاوز الأطر الفصائلية وأي استخدام رسمي عربي لها وهو ما عبّرت عنه انتفاضة مخيم اليرموك بدمشق في 6 حزيران 2011، مرورا بتحركات شباب مستقلين في مخيم عين الحلوة الأخيرة التي طالبت بوقف الاقتتال الفلسطيني، ثم إضراب الأسرى في السجون الإسرائيلية الذي بدأ بعفوية إضرابات فردية؛ جميعها يظهر أن أجواء فلسطينية شابة جديدة تظهر وتأخذ زخما أكبر، وإن لم تبدأ بعد بتنظيم نفسها بجدية، وهي المهمة التي من الواضح أنها تلّح بنفسها على الفلسطينيين شبابا وكبارا، وتطرح نفسها أيضا على التنظيمات الفلسطينية الأساسية في الكف عن لعبة الانقسام والتقاتل من أجل السلطة والتواطؤ مع الأنظمة العربية، مقابل تعاون الجميع.

منذ أن أعلن أهالي مخيم نهر البارد بعفوية في العام 2007 أن ما تعرضوا له هو “نكبة” مرورا إلى إصرار الفلسطينيون في لبنان وسورية والأردن وداخل فلسطين في أيار 2011 على أن موضوع النكبة هو المدخل الفلسطيني لإزالة اغتصاب فلسطين، وصولا إلى ما يجري الآن في نهر البارد، فإن هذه الأجواء الجديدة تقول بوضوح إن النكبة مستمرة وليست فقط في العام 1948 وهي الاستعمار الإسرائيلي لفلسطين وهي الأنظمة العربية في آن واحد!

هذا هو ما يجري في نهر البارد، وهذه هي خلفيته، لمن يريد أن يسمع من الإعلام والسياسيين..

(*) جميع الأمور المتعلقة بالتوثيق يمكن أن تجدها في موقع “نهر البارد”

https://albared.wordpress.com/

Tags: , ,

One Response to “بحثا عمّا يجري في مخيم نهر البارد بين روايات شهود وروايات الإعلام: “ميدان تحرير” في المخيم مقابل تغطية أمنية للإعلام”

  1. marcy/مارسي newman/نيومان Says:

    Reblogged this on body on the line.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: