مصر وتونس في المخيمات الفلسطينية في لبنان: إلى اللقاء مع المفاجأة! 1/2

كان آخر درس علمتنا إياه الحكومة في نهر البارد قبل شهر هو أن البيوت ليست بيوت الناس، والأرض ليست أرضهم لا هنا ولا هناك، والشغل ليس لهم، والقانون ليس لهم، ولكن الشرطة وكل أجهزة الأمن هي كلها لهم!

أما تونس ومصر فعلمتنا إنه الأرض بتتكلم عربي بلهجة الحريّة. هذه الأيام الدروس سريعة، وصعب أن نستوعبها بسرعة. مصر اليوم تهتف أناشيدنا “ثورة ثورة حتى النصر”، وتهتف “شهداء بالملايين جايين… على قصدر عابدين جايين”.

من أسبوع، وعلى إيقاع مصر، تظاهر شباب أمام السفارة المصرية في بيروت كل يوم. وكثيرة هي الكوفيات، وترفع الأعلام الفلسطينية بين شباب لبنانيين وفلسطينيين.

في العام الماضي، أظهرت المخيمات الفلسطينية أنها ملّت. حدثت مظاهرتين شعبيتين كبيرتين من بدايات تحركات شعبية في المخيمات في لبنان من عقود لمطالب داخلية.

واحدة خرجت من نهر البارد في المخيم ووصلت إلى بيروت، وشاركت فيها مخيمات أخرى بآلاف المعتصمين. والثانية من كلّ المخيمات طالبت بالحقوق المدنية والإجتماعية نحو طريق العودة لفلسطين. وشارك فيها تقريبا خمسة آلاف متظاهر.

صحيح أن ما يحدث من ثورات شعبية مدنية تنادي بالحرية والكرامة والعدالة في أكثر من بلد عربي يصعب أن نجد لها للأسف صدى قويا في لبنان، فيتظاهر الناس دعما لزعمائهم مثل ما قال شاب لبناني بحزن.. فالمفاجأة لها قولها هذه الأيام. ومن جمالية هذه الثورات هي المفاجأة مثلما هي الحياة الحيوية المليئة مفاجآت.

وهذه الكلمات المرصوصة مثل الزيتون الخضيري، والمكبوسة مثل المكدوس الصغير، لا يمكنها حتى أن تقترب من جمال المفاجآت وإن كانت تحاول أن تأخذ من هذه المفاجآت نكهة.

المخيم الضيّق صار صور وشاشة وصوت وهتافات، والصورة صارت مصر وتونس، ومصر وتونس صارت كل واحد منا. المخيم وسع كثير. والصدى برجع بصير صوت. التغيير آتي مهما كان المنطق أو الإحساس، وخصوصا أن أيّة مطالبات شعبية الآن أو في بعد الآن بقليل هي محمية إعلاميا وشعبيا بسبب ارتباطها باتنفاضات شعبية في المنطقة، وبكثافة الحدث في العالم العربي والعالم، ويُسهل أيضا وجود حرية نسبية في لبنان تُمكّن الناس من المشاركة.

فالمخيمات الفلسطينية هي بؤر للقمع الرسمي في لبنان (تُسمى بؤرا أمنية عند المسؤولين اللبنانيين وأبواقهم) بما لا يقارن مع حريات نسبية للبنانيين. والفقر فيها على قدّ الزاروب. يعني للذين يفهمون أكثر لغة الأرقام من دون معرفة المخيم فإن نسبة الفقر في المخيمات هي ثلثي الفقر في لبنان؛ 75 في المئة بحسب إحصاء عملته الجامعة الأميركية-الأونروا ( في شهر 12 السنة الماضية). ويرتبط الفقر فيها أيضا بإجراءات قمعية وحصار أمني، مثلما لمحت إلى ذلك بنبرة عالية احصائية الجامعة الأميركية- الأونروا حيث الفقر أكبر في مخيمات وتجمعات منطقة صور التي يفرض عليها حصار أمني يصل إلى دخول البضائع وحركة الأسواق. ومع أنه الكهرباء مقطوعة معظم الوقت، فأحيانا يمنعون دخول اللمبة إلى المخيّم المعتّم.

والثورة نور.

وفي المخيمات تراكمات من شعور طاغ من الظلم والاقصاء والتمييز. وفيها وفيها.

والمهم أيضا أنه في المخيمات والحالة الفلسطينية في لبنان تراكمات شعبية، سواء من تحركات مخيم نهر البارد المتتابعة من وقت ما أوقفوا عماره أول السنة الماضية، بسقف مطالبه العالية، وصولا إلى التحرك الفلسطيني العام الأول من نوعه وحجمه المطالب بالحقوق ومنع التمييز العام الماضي أيضا.

وبالأخص من سنة 2005، فالمطالب الشعبية الفلسطينية هي في تزايد كاسرة جدار الخوف في الكلام في أيّ موضوع، علما أنها بدأت في ذلك العام بحالة شعبية في مخيم شاتيلا كما حملة أولى للحقوق المدنية.

التراكمات الشعبية المطلبية المستقلة المترافقة مع قمع سلطوي غير محدود، وفقر شديد متزايد معطوف على بطالة متفشية ووقفات طويلة على الحيطان، كانت أيضا من مقدمات الانتفاضات في تونس ومصر. ففي مصر مثلا، سمعنا عن حركة اسمها “كفاية”، في سنة 2004، التي كسرت جدار الخوف وطالبت برحيل حسني مبارك، وهو ما لم تكن تتجرأ عليه الأحزاب والمعارضات. وتوالت الأصوات حتى ظهرت حركة 6 ابريل سنة 2008، ثم الجمعية الوطنية التي يرأسها البرادعي في العام 2010 مطالبا برحيل مبارك، وصفحة كلنا خالد سعيد احتجاجا على تعذيب الشاب وقتله عيني عينك، وغيرها من التحركات الشبابية الأخرى، ثم الانتفاضة الشعبية الأخيرة التي حركها شباب ناشطون مستقلون في الفيسبوك في 25 يناير 2011.

في المخيمات الفلسطينية في لبنان، أيّ شخص يحضر حتى أيّ مؤتمر أكاديمي مثلا أو شعبي أو رسمي يتعلق بنقاش الأوضاع الفلسطينية في لبنان، يرى اهتزاز ملل المؤتمرات مع نبرات تعلو وحدّية كبيرة في الحديث مع المسؤولين اللبنانيين ومطالبات لا تخاف من شيء، لا من سلطة سياسية أو قمع أجهزة أمنية. وصرنا نحب الذهاب إلى المؤتمرات! نرى تماسيح السلطة بأنواعها المختلفة هناك. لا بتأثرون بكل المطالب، تمسحوا، ولا يتأثرون من كل الوجع الطالع من القلوب. والتماسيح هي من أنواع الديناصورات القليلة التي لم تنقرض.

فالخوف انكسر من سنين، ومن أماكن جديدة خارج أطر التنظيمات الفلسطينية في غالبية الأحيان، والتراكمات متواترة. يعني مش خايفين منكم!!!

ورغم أن اعتقالات الناشطين السمتقلين وتخويفهم في نهر البارد مثلا قد ارتفع في نهاية العام الماضي، مع تكرّر الحالات في ثلاثة أشهر، أي روزنامة للاعتقالات.

من الواضح أن الناشطين ليسوا خائفين برغم حبسهم أو التحقيق معهم أو تهديدهم. فمع انكسار الخوف وتراكم المطالب من دون تجاوب من قبل السلطة، فإن السلطة ليس عليها أن تتفاجأ إن خرجت انتفاضة شعبية مدنية من المخيمات الفلسطينية في لبنان!

 

مفاجآت الحرية:

ترتبط فلسطين تاريخيا بمعاني العطاء، وهي ثقافة شعبية أيضا، إلى درجة أظهر كثيرون استعدادا للتضحية بأنفسهم في سبيل القضية التي يؤمنون وبها في سبيل الحرية. أو كما يقول محمود درويش “هنافات شعب يصعدون إلى حتفهم باسمين” في قصيدته “على هذه الأرض ما يستحق الحياة…. أولّ الحبّ”.

أولّ الحرية في الثورات العربية هي مما يستحق الحياة. والحرية التي طرحها الشباب الثائرون في مصر وتونس لا تخضع لكثير من التحديدات والنماذج وإن كانت تحاول أن تصيغ مطالبها بما هو مترفر من نماذج. يصعب على ذوي الرؤس المربعة عدم تعليب الحرية بحساباتهم: يجب الإنتقال إلى الحرية تدريجيا، إذا أصبحت هناك ديمقراطية هناك خطر الإسلاميين، أو سيصبح هناك إنفلات.

وهكذا نجد كثيرا من المسؤولين اللبنانيين يتحدثون بما يشبه ذلك: إذا عمل الفلسطيني فإنه سوف يأخذ نسبة كذا من عمل اللبناني، أو إذا أعطي حرية فإنه سوف يصبح خطرا على النظام، أو سوف يُستخدم من قبل أجندات أجنبية، إذا عُمرّ المخيم فهو مؤامرة للتوطين، إذا أعطي الفلسطيني حقوقه قهي مؤامرة التوطين، الخ.

نسمع هذه التصريحات المعلية بتكرار ملّ منه الملل. هذه التصريحات بحد ذاتها، المستمرة على ألسنة سياسيين وتلفزيونات وغيرهم منذ سنوات وبشكل شبه أسبوعي ربما، هي بحد ذاتها تدعو إلى الثورة المدنية حتى لو كان الوضع ليس فيه فقر ولا تمييز ولا قمع!

حرية الشباب الثوريين المدنيين هي خارج التحديدات والنماذج المعلبة، إنها تفاعل ومفاجأة وإبداع مستمر، وهي بلا شك خارج المنطق الذي يأسر هذه المقالة!

إلى أمل اللقاء مع المفاجأة!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: