تحليل إخباري: معلومات مطلوبة عن المخيم وأخرى محجوبة

علمت “البارد” أن مستشارين للحكومة اللبنانية طلبوا بشكل عاجل قبل أكثر من أسبوع الحصول على معلومات تفصيلية عن سكان مخيم نهر البارد “القديم”، وذلك بحسب مصادر مختلفة استقت منها “البارد” المعلومات وقاطعتها مع متابعة أكثر من اجتماع في هذا الخصوص. كما علمت أن “الأونروا” ستقدّم هذه المعلومات وسط تردّد رسمي فلسطيني واعتراضات من متابعين للإعمار.

ويأتي تخوّف البعض من هذه الخطوة بسبب ما رشح عن دفع مستشارين للحكومة لمشروع تملك الدولة بيوت المخيم القديم مع تقييد أعمال انشائية لاحقة بعد السكن، ومراقبة العمل والنواحي اليومية عند دخول الدرك إلى المخيم القديم، كما تقييد أمور “الورثة” عند وفاة أحد الملاّك. يعزّز هذا الاعتقاد طريقة تعامل اللجان الاستشارية الحكومية مع ملف إعمار البيوت المهدمة في “المخيم الجديد” حيث انسحبت الأونروا من هذا الموضوع في ذلك الجزء من المخيم خلافا لنص مؤتمر فيينا، كما ذكر تقرير صحافي في “الانتفاضة الالكترونية” نهاية الشهر الماضي.

وفي هذا السياق، علم أيضا بأن الأونروا تتجه للإنسحاب من توقيع اتفاق ثلاثي حول إدارة المخيم القديم. واعتبر متابعون للإعمار بأن انسحاب الأونروا هو “انسحاب من دورها في حماية اللاجئين وحقوقهم”.

يذكر أن الأونروا تملك بيوت المخيمات الرسمية الفلسطينية، ضمن اتفاقات مع الدولة اللبنانية بعقود إيجار طويلة الأمد، وبات هناك بالتالي نظام “ملكية” خاص لسكان المخيمات بحيث يمكنهم التصرف ببيوتهم، وذلك خلافا للفترة التي عرفت بفترة “المكتب الثاني” حيث كان هناك تقييد على السكن والملكية للفلسطينيين. أما مع نيّة الأونروا الانسحاب من توقيع الاتفاق في المخيم القديم فإن ذلك يجعل السكان “مكشوفين أمام قوانين الدولة اللبنانية التمييزية”، بحسب معترضين. في حين تعتبر أوساط في الحكومة أن ذلك “يواجه خطر التوطين”.

وكان تقرير صحافي في جريدة “السفير” قد أشار، بداية الشهر الماضي، إلى أن العودة المتوقعة نهاية العام لنسبة صغيرة من سكان مخيم نهر البارد إلى جزء من الرزمة الأولى قد سخّن النقاش العالق حول إدارة المخيم القديم وما يتعلق “بآلية إدارة شؤون المخيم”.

طبيعة المعلومات ولمن

تتضمن المعلومات المطلوبة تفاصيل عن كلٍّ من بيوت مخيم نهر البارد “القديم” وسكانه. وباتت “المعلومات” جزءا أساسيا من يوميات نهر البارد والتوتر فيه، حيث تحاول الحكومة الحصول على كل المعلومات. في المقابل، يتهمها خصومها بنيّة الحصول على معلومات تتعلق بالإعمار لغايات أخرى بينما تقوم باخفاء جوانب أساسية من معلومات أخرى حول إدارة نهر البارد.

بدورها، تعتبر الحكومة الحصول على المعلومات “أمرا طبيعيا” وضمن اتفاقات وقعت سابقا مع الأونروا. لكن معترضين على اعطاء هذه المعلومات للحكومة قالوا لـ”البارد” بأن المشكلة هي “من في الحكومة” سوف يستخدم هذه المعلومات. كما علمت “البارد” أيضا بأن أوساطا تنظيمية فلسطينية قد تناقشت بشكل مغلق حول إعطاء المعلومات. وقال بعضها بأن المعلومات لصالح شركة الكهرباء حول البيوت والسكان لغايات تمديد الكهرباء وتسديد قيمة الاشتراك “أمر طبيعي”.

وكانت المعلومات المطلوبة تستخدم قبل ذلك بموضوع إعادة الإعمار. وامتلكتها الأونروا والجانب الفلسطيني التقني المتابع للإعمار. وقد جمعت هذه المعلومات خلال فترة طويلة، ضمن اتفاق مكتوب بين “الأونروا” وهيئة إعادة الإعمار لمخيم نهر البارد، التي كانت الصلة مع السكان. وخضعت عملية جمع المعلومات إلى “آلية دقيقة” حول مساحات البيوت وسكانها بعد تدمير مخيم نهر البارد وجرفه مع انعدام خرائط ومعلومات دقيقة سابقة عن بيوت المخيّم. وما زالت عملية جمع المعلومات مستمرة في الأجزاء المتبقية من المخيّم، إضافة إلى ما يعرف بـ”نحكيمها” للتأكد من صحتها. ويشير البعض إلى تخوفهم من أن حصول الحكومة على المعلومات “في هذا السياق الأمني” قد يؤثر على تعاون السكان في استكمال جمع المعلومات في الأجزاء المتبقية من المخيم كما تحكيمها.

وكانت الهيئة تؤكد للناس رفضها “النظرة الأمنية” في تعامل السلطات اللبنانية مع مخيم نهر البارد، مما أوحى باستخدام هذه المعلومات سابقا لغايات التخطيط وإعادة الإعمار، ودفع الناس للتعاون في تسجيل بيوتهم وتحكيمها علما أنها عملية تثير كثيرا من الاعتراضات بسبب عدم امكانية التأكد من المعلومات باستخدام أدوات المساحة بعد تدمير المخيم ومنع الدخول إليه إثر الحرب.

 يذكر أن هيئة إعادة الإعمار هي منظمة محلية من المخيم تشكلت إثر الحرب من قبل سكان في المخيم ومهنيين. وقد وقعت اتفاقات شراكة مع الأونروا بصفتهما الطرفين المسؤولين عن عمليات التخطيط والإعمار. وبعد ما يبدو صراعا على السلطة وتبادلا للاتهامات، باتت هيئة إعادة الإعمار تتبع مؤخرا بشكل أساسي للأطراف التنظيمية الفلسطينية وسط تراجع دروها وتمثيلها لمصالح السكان، يقول متابعون لعملية إعادة الإعمار.

أكدّ المعترضون على منح المعلومات في هذا السياق بأن دواعي قلقهم ليس مردّها حصول دوائر الدولة المدنية على معلومات، بل هو طريقة استخدام المعلومات في السياق “الأمني والتمييزي” الذي يمرّ به مخيم نهر البارد منذ ثلاث سنوات حيث تفرض تصاريح  أمنية على سكانه، ويُعلن منطقة عسكرية حتى الآن وسط عمليات توقيف اعتيادية ومتكررة للمدنيين أو للمدافعين عن حقوق الناس كان آخرها توقيف منسق منظمة “حقوق” لخمسة أيام، مع نيّات للحكومة بدخول الدرك أيضا إلى المخيم القديم وفرض قيود إضافية على ادارة شؤون السكن والعمل والجمعيات، بحسب تأكيد متابعين لملف إعادة الإعمار.

 من جهة أخرى، هناك من يرفض اعطاء الحكومة أيّة معلومات تفصيلية معتبرين أن إدارة أمور المخيّم أمر يخص بشكل أساسي الأونروا والمجتمع المحلي الفلسطيني. 

يذكر أن دوائر الدولة المدنية شبه غائبة عن ملف إعادة الإعمار في نهر البارد. فمديرية التنظيم المدني مثلا ليست هي الجهة الرسمية المخولة الإشراف على أمور التخطيط والإعمار في المخيم. وقد ابتدعت الحكومة نظام اللجان الاستشارية في التعامل مع سكان المخيم مع تفويض للجيش اللبناني بأمور أساسية في ادارة المخيم والإعمار، وهو ما لا يحدث في مناطق لبنانية أخرى. ويبدو أن هذه السياسة تكرّس المقولات الفلسطينية المتكررة عن التعامل مع الملف الفلسطيني في لبنان رسميا بـ”عيون أمنية” من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية بشكل أساسي.

 إدارة المخيّم؟

يفتح قرب عودة بعضا من السكان إلى الرزمة الأولى نهاية العام موضوع إدارة المخيم القديم. رجحت أطراف متابعة لقضية المعلومات بأن سبب طلب مستشاري الحكومة العاجل الحصول على هذه المعلومات من الأونروا هو اعطائها لجهات عسكرية-أمنية، كما البدء بمشروع أمني جديد في مخيم نهر البارد القديم مع اقتراب عودة جزء من سكان الرزمة الأولى. 

يذكر أن الحكومة تعلن عن نيتها ادخال الدرك إلى داخل المخيم القديم لإدارته، ضمن المشروع المعروف بالـ”الشرطة المجتمعية”، فيما “المعلومات” حول مراحل تدريب قوة من الأمن اللبناني في الولايات المتحدة واستعداداتها، وطبيعة هذه القوة، والحوار مع الجانب الفلسطيني حولها، يجري التكتم عليها، ولم تعلن إلا السفارة الأميركية عن ذلك في وقت سابق عند توجه قوة منها للتدريب في الولايات المتحدة.

وهناك لجنتان استشاريتان للحكومة تتابعان الإعمار في نهر البارد، وهما لجنة الحوار اللبناني-الفلسطينية ووحدة إعادة الإعمار. وكلتاهما هيئتان استشاريتان لدى رئيس مجلس الوزراء. وباتت اليد الطولى للجنة الأخيرة مع تراجع دور لجنة الحوار.

وكشف تقرير “الانتفاضة الالكترونية” بأن مستشار مكتب رئيس الحكومة ساطع الأرناؤوط يتابع القضايا التفصيلية حول إعادة الإعمار والاجراءات الأمنية، من خلفية تقنية وبالعمل الوثيق مع البنك الدولي ومنظمات دولية أخرى، وبما فيها متابعة مشروع “الشرطة المجتمعية”منذ البداية. ومشروع “الشرطة المجتمعية” الذي أثار اعتراضات فلسطينية مختلفة. وهو مشروع مموّل ومدعوم سياسيا وتقنيا من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا- مع تردّد من الأخيرة مؤخرا كما علمت “البارد”.

 وتحاول أطراف أخرى في الحكومة اللبنانية بناء حوار سياسي وتقني في آن بين الجانبين الفلسطيني واللبناني، ووسط مواضيع معقدّة تحتاج إلى تفاهمات وحوار معمق. فما زال الاتفاق غائبا بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة اللبنانية حول آليات إدارة المخيم القديم في نهر البارد، وذلك وسط حالة أمنية مشددة في كل مخيم نهر البارد. وتترافق الاجراءات الأمنية مع إعلان المخيّم ككل منطقة عسكرية بعد أكثر من ثلاثة أعوام على انتهاء الحرب، جنبا إلى جنب جهتين أمنيتين في “المخيم الجديد” هما الجيش والدرك.

وأشارت تقارير صحافية متعدّدة في صحف رئيسية لبنانية، ومنظمات حقوقية محلية، إضافة إلى تقارير متزايدة لمنظمات حقوق إنسان دولية عن انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان في المخيم، كان آخرها تقرير منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR وتقرير الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان كما للفدرالية الدولية لمنظمات حقوق الإنسان.

وقال ممثل منظمة التحرير ولجنة التنظيمات الفلسطينية المسؤول عن إعادة إعمار مخيم نهر البارد، مروان عبد العال بأن “الشراكة السياسية غائبة” بين الطرفين الرسميين الفلسطيني واللبناني حول نهر البارد، كما جاء في تقرير “الانتفاضة الالكترونية” نهاية الشهر الماضي.

تغيب آلية حوار واضحة بين الطرفين الرسميين الفلسطيني-اللبناني برغم مبادرات رسمية مختلفة كان من أبرزها مبادرة النائب وليد جنبلاط، وبرغم انشاء لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني منذ العام 2005، والتي تعرضت لنقد واسع لتحسين آليات الحوار. لكن النتيجة جاءت بتهميشها ودورها تراجع مع تزايد دور وحدة إعادة الإعمار الاستشارية غير الميّال أصلا للحوار، كما أكدت أوساط فلسطينية رسمية ومن فعاليات اجتماعية في المخيم.

وتبدو بيئة الحوار تفتقد أيضا لحدّ مقبول من الحرية. فقد استقال المسؤول السابق للجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني خليل مكاوي، التابعة للحكومة اللبنانية، بعدما صرّح في ورقة مكتوبة وزعت في مؤتمر نظمته الجامعة الأميركية بأن إدارة المخيم القديم هو “شأن فلسطيني”. ثم قامت الرئاسة الجديدة للجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني بتنظيم جلسة بين أطراف لبنانية وفلسطينية في تشرين الأول لنقاش الاجراءات الأمنية وأمور ادارة المخيم، لكن رئيس المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان غسّان عبدالله استدعي للتحقيق قبل أكثر من شهر من قبل مخابرات الجيش اللبناني بسبب تعبيره عن رأيه في الاجتماع الرسمي. ثم أقدم مستشارون آخرون للحكومة طلب المعلومات حول سكان المخيم. 

بدورها، لم تعلن الأطراف الرسمية الفلسطينية حتى الآن عن آليتها لإدارة المخيم بعد تطوير اللجنة الشعبية فيه كما ذكرت سابقا. يذكر أن نظام اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد يحوي بشكل اساسي أشخاصا مُعيّنين عن جميع الفصائل الفلسطينية بشكل يجري تقاسم السلطة في ما بينهم، إضافة إلى بعض الأفراد الآخرين من خارج التنظيمات. وتقوم اللجنة الشعبية بتطوير نفسها تقنيا بمساعدة من قبل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. إلا أن أوساطا فلسطينية محلية وعامة قد عبّرت تكرارا عن مطالباتها بنظام تمثيلي فعلي للجنة الشعبية، من دون أن تتمكن من طرح مبادرات واضحة.

وتخضع كل لجنة شعبية في المخيمات لآلية خاصة، وحدث أن جرت تجارب لتطوير اللجنة الشعبية مثل الانتخابات في مخيم شاتيلا في العام 2005، لكنها لم تستمر.

 معلومات مطلوبة وأخرى محجوبة

مع النيّة المعلنة للحكومة اللبنانية إدخال قوات الدرك إلى المخيم القديم، بوجود قوانين تميّز الفلسطينيين عن اللبنانيين في العمل والتملك وتأسيس الجمعيات وغيرها، فإن المتوقع تناقضا خصوصا مع اصرار مستشارين على سياسة “تطبيق القوانين” مهما كانت طبيعتها. فالسهر على حفظ القوانين، كما تعلن السلطات عادة حول مهام الشرطة، سوف يجعل التمييز بحق الفلسطينيين يطال نواحي يومية مختلفة. بل لن يتمكن الفلسطينيون من فتح حتى محلات صغيرة لأنهم ممنوعون من حق العمل في هذه المهن، مثلما يشير المعترضون.

بدورها تعتبر أوساط في الحكومة أن مردّ ذلك هو “فرض السيادة” على المخيمات. وكانت هيئة الحوار الوطني اللبنانية قد توصلت إلى أن شؤون المخيمات هي أمر فلسطيني بالتعاون مع الدولة اللبنانية، أما محيط المخيمات فهو يخضع لسلطة الدولة اللبنانية. وقد طرح أكثر من مؤتمر في الحامعة الأميركية في بيروت تساؤلات عن المعنى اليومي لـ”السيادة” من دون قوانين تساوي الفلسطينيين باللبنانيين في الأمور الاجتماعية والاقتصادية والمدنية.

وكان وزير الداخلية زياد بارود قد أعلن قبل اشهر بأن الجمعيات الفلسطينية في نهر البارد غير مرخصة، حيث يمنع القانون ترخيص جمعيات فلسطينية إن لم تكن بواجهة رسمية لبنانية.

يذكر أن مخيم نهر البارد ما زال يخضع لسياسة التصاريح الأمنية المفروضة على السكان والصحافيين، وسط بطء عملية الإعمار واستمرار التهجير وتزايد اعتقال مدافعين عن حقوق الإنسان في الأشهر الأخيرة. وهو ما اعتبره صحافيون محاولة واضحة لحجب “المعلومات” لما يجري في المخيم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: