حواجز نهر البارد سوف تصلك إلى بيروت! نقاشات مؤتمر أمن المدينة في الجامعة الأميركية في بيروت

أمن المدينة في يومه الثالث والأخير: الشوارع تعرف أيضاً كيف تفرّق

جهينة خالدية / السفير؛ 15 أيار 2010

وجودهم بيننا عادي جداً، متوقعٌ وغالباً مُطمئن
هم كثر، «يزيّن» المشهد معهم آليات ذات الدفع الرباعي، دبابات، شاحنات، عتاد، حواجز حديدية ورملية أو حتى إسمنتية
هم عناصر الأمن في بيروت، الذين يرسمون بوجودهم الدائم أو المؤقت، شكلاً خاصاً للمدينة. وهم هناك، عند المناطق «الساخنة»، أو أمام الأملاك الخاصة من بيوت السياسيين والمجمعات التجارية والمصارف يضعون خطوطاً بين شارع وآخر، بين فئة وأخرى، بين طبقة وطبقة أدنى. بهذا هم يعزلون المدينة عن المدينة، يقسمونها، أو بكلمات أخرى يرسمون لها خطوط تماس غير مرئية. ويشمل هؤلاء، قوى الأمن الرسمية وعناصر من شركات أمنية خاصة
كثيرة هي العوامل التي دفعت إلى انتشارهم الكثيف، انطلاقاً من الحرب الأهلية وصولاً إلى استشهاد رئيس الوزراء رفيق الحريري في العام 2005، وعمليات الاغتيال والتفجيرات التي تلت
لكن هل بات بهذه «العادية» وجودهم بهذه الكثافة؟ كم يطمئن انتشارهم البعض وكم يهدد البعض الآخر (أو على الأقل يزعجهم)؟ من يحمي من ومما؟ ومن يشرع القانون وجوده ومن فوق القانون؟
النقاش هذا، احتل حيزاً واسعاً من اليوم الثالث والأخير لمؤتمر «الأمن في المدينة: أمن المدينة» الذي عقد ضمن «نقاشات المدينة 2010 – السنة الثامنة»، ونظمه برنامج الماجستير لتخطيط وتنظيم المدن قي كلية الهندسة المعمارية في الجامعة الأميركية في بيروت
وفي واقع الأمر، التوسع في كل هذه النقاط كان انطلاقاً من جهد قام به طلاب في الجامعة، وثلاثة أساتذة محاضرين فيها هم منى فواز ومنى حرب وأحمد غربية، الذين سعوا لفهم تأثيرات الأمن على المدينة، وتحديد انتشاره في بقع مختلفة، وطبعاً ليس ذلك إلا لتحليل تأثيرها على الحياة اليومية للمواطن العادي
هذا الجهد تُرجم إلى نشرة هدفت بحسب غربية «إلى إحصاء الآليات الأمنية المرئية في بيروت، وتبيان نقاط تمركزها، كيفية تدخلها، أين تكون «رسمية»، وكيف تكون «أهلية» في مناطق محددة (الطريق الجديدة، الضاحية الجنوبية لبيروت)، وكيف يتداخل الإثنان معاً في مربعات أخرى (قريطم نموذجاً)»
الموضوع الذي لا يقل أهمية، والذي طغى على الطاولة المستديرة تناول وضع الشرطة وتخطيط المخيمات الفلسطينية في لبنان، (مخيم نهر البارد نموذجاً).

وركزت مداخلة الدكتور ساري حنفي بالدرجة الأولى على «عدم تحديد للوضعية القانونية للفلسطيني من قبل الدولة اللبنانية (أهو لاجئ أم أجنبي)، وتأثير ذلك على دمجه في المجتمع اللبناني»، ويقول حنفي لـ«السفير»، إنه «حتى اللحظة تقصي الدولة اللبنانية اللاجئ الفلسطيني عبر حرمانه من حقوقه (العمل والتملك مثلاً) وتعزل المخيمات عن المجتمع اللبناني، بدل دمجها، وذلك عبر تشديد المراقبة عليها، لا سيما نقطة التفتيش عند مخيم نهر البارد. وهذه الأخيرة تجعل المخيم وكأنه بقعة معزولة عما يحيط به». ويعود حنفي ليوضح: «الإشكالية ليست في السيادة اللبنانية على المخيمات الفلسطينية، بل المشكلة أنهم يمارسون دوراً مجتزأ، إذ هناك سيطرة على حدوده وناسه من دون أن يكون هناك اعتراف بأهمية دور اللجان الشعبية أو مساعدة في دمجهم في المجتمع اللبناني»
شوارع تفصل بين الطبقات
في الجلسة الثالثة توقف الأستاذ المحاضر في جامعة غولد سميث في لندن عبد المليك سايمون عند «العلاقات العاطفية، والزمالة، والمهنية، التي تنشأ في حيز مكاني محدد مثل المقاهي، المجمعات التجارية، أماكن الترفيه، الشوارع، الحدائق العامة وغيرها»، ولفت لـ«السفير»، إلى «حاجة المدن إلى هذا النوع من العلاقات، والحاجة إلى ما ينتج عنها من أحاديث وأفكار ومفاهيم وتبادل معلومات عن الآخر». وهو ما يطبق بحذافيره على مدينة كبيروت برأيه، «إذ تحتاج مدينة تشمل أناساً من انتماءات مختلفة إلى هذا النوع من العلاقات للمحافظة على سمة المدينة، إذ يستطيعون عبر أحاديث عابرة أو أخرى عميقة وعبر النميمية والدردشة ومراقبة الناس في الشارع، من ملاحظة الاختلاف والتشابه في حيواتهم ومقاربتهما من زوايا متنوعة». الجلسات هذه وما تولده من أفكار يحب سايمون أن يصفها «بالعمل، وإن كان في المكاتب، إنما لا يقل إنتاجية ولا أهمية عن العمل التقليدي، وهو ما يبقي بيروت الملونة.. مدينة متكاملة»
«المدينة في الداخل والخارج» هو ما توسع فيه الأستاذ المحاضر في جامع ليدن عاصف بيات، معتبراً أن «الناس يوماً تلو الآخر، يستخدمون الحيز المكاني (الشارع، الأمكنة العامة) أكثر فأكثر، لكنهم مجتمعين يشكلون مجموعات «لا حركية»، بمعنى أنها غير متجانسة ولا متفاعلة، لكنها متواجدة في الوقت نفسه وفي المكان نفسه، ويعبرون عن احتياجات لا جماعية، إنما تتسم بالفردنة لكنها تقام أو تنفذ كلها في المكان العام»
من جهة ثانية ركز بيات على «المرأة في الشارع»، معتبراً وجودها فيه بشكل أكبر إنما هو إحدى مميزات التحرر أو النيو ليبرالية، وبهذا تكون تنقض التقليد السائد عن وجودها داخل أسوار المنزل، فيما يخرج الرجل إلى العمل، الشارع، المقهى، المجمع التجاري»
لكن هل هذا الشارع أو الفضاء الخارجي يوحد الناس من كل الطبقات؟ يجيب بيات «استطاعت النيوليبرالية أيضاً أن تفصل بين الطبقات الإجتماعية، فجعلت للفقراء أمكنتهم وشوارعهم ومقاهيهم، فيما نرى الأغنياء في الحفلات الخاصة، والمسابح المغلقة، والحفلات المترفة التي لا تفتح أبوابها إلا لمدعوين بالإسم.. فالشوارع والحياة المدنية العامة تعرف ايضاً كيف تفصل غنياً عن فقير»

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: