طَلَلِيّة البِروة: كيف سيعاد إعمار قرية محمود درويش..في المخيم؟

Al-Berwe: How to reconstruct the village of Mahmoud Darwesh..in the camp

بدأت جلسات مصممي إعادة الإعمار وأهالي ما يسمى الرزمة الخامسة في المخيم القديم لنهر البارد نهاية الأسبوع الماضي، للنقاش حول طرق إعادة إعمار الحيّ. وحضرت في النقاش قرية البروة كما المدن والقرى الفلسطينية الأخرى مثل صفد وغيرها.

عندما ذُكر أسم البروة كواحد من أحياء الرزمة/الحيّ، كان هناك صفنة. هل هي بِروة محمود درويش في عكا؟

إنها بروة درويش والأهالي المشتتين. فقد لجأ بعض سكان البروة إلى نهر البارد بعد العام 1948. يتلعثم السؤال وهو يتذكر ويحاول تركيب الكلمات: كيف تريدون إعادة إعمار حيّكم وقريتكم.. في المخيم؟

كان يفترض بالسؤال أن يكون كيف تريدون إعادة إعمار قريتكم البروة وقراكم الأخرى.. في فلسطين نفسها؟ كيف تتخيلون العودة؟ وكيف تتخيلون طرق حياة جديدة بعيدا عن المنفى الذي لا يُطاق حتى بعد مرور ستين عاما من الرحيل؟ كيف تتخيلون إنسانا جديدا يعيش في قريته وبين أراضيه وأهله؟ كيف تريدون إعادة إعمار البروة التي دمرها الإسرائيليون؟ والأسئلة هنا لها أول بلا آخر للخيال..

ولكن هناك من يفرض علينا سؤالا واحدا لا غير: كيف تريدون إعمار البروة وقريتكم في نهر البارد إن وجدتم إلى ذلك سبيلا؟ هل سأل نفسه من يفرض هذه الأسئلة إن كان هناك إحتمالات أخرى للأسئلة؟

في ديوان محمود درويش الأخير الصادر هذا العام بعد وفاته “لا أريد لهذي القصيدة أن نتتهي”، كتب هذه المرّة بوضوح قصيدة “طَلَليّة البروة”. كتب فيها “يا صاحبي قِفا… ” مستوحيا الشاعر الجاهلي امرؤ القيس الذي وقف على الأطلال وقال: قفا نبكي… وهو هنا يكتب بوضوح عن المثنى الذي استعاره من امرؤ القيس، كما في دراسة للروائي صديقه إلياس خوري، عن الإنسان المنفي الذي تشتّت “أنا”ه، أو كما كتب في ديوان آخر: هل أنا إثنين في واحد/ أم واحد تشظّى إلى إثنين؟/ أيّ الشتيتين منا أنا..

هاجر درويش البروة، قضاء حيقا، في العام 1948 إلى لبنان، لكنه عاد ليعيش منفاه في وطنه بعد تدمير الجيش الإسرائيلي للبروة. تعرض للإقامة الجبرية والإعتقال أكثر من مرّة، قبل أن يقرر مغادرة وطنه منفاه إلى وطنه العربي منافيه. ثم لحقه الإسرائيليون في العام 1982 خلال اجتياح بيروت فغادرها إلى تونس ليتنقل في أكثر من منفى قبل أن يتوفى أثناء عملية في قلبه في العام 2008.

يكتب في “طللية البروة”:

أمشي خفيفا كالطيور على أديم الأرض،

كي لا أوقظ الموتى. وأقفل باب

عاطفتي لأصبح آخري، إذ لا أحسُّ

بأنني حجرٌ يئنُّ من الحنين إلى السحابة.

هكذا أمشي كأني سائحٌ ومراسلٌ لصحيفة

غربية. أختار من هذا المكان الريحَ…

أختار الغياب لوصفِهِ. جَلَس الغيابُ

محايداً حولي، وشاهده الغراب محايداً.

يا صاحبي قِفا… لنختبر المكان على

طريقتنا: هنا وقعت سماءٌ ما على

حجر وأدمته لتبزع في الربيع شقائق

النعمان… (أين الآن أغنيتي؟). هنا

كسر الغزال زجاج نافذتي لأتبعه

إلى الوادي (فأين الآن أغنيتي؟) هنا

حملت فراشات الصباح الساحرات طريق

مدرستي (فأين الآن أغنيتي؟)

هنا هيأتُ للطيران نحو كواكبي فرساً

(فأين الآن أغنيتي؟). أقول

لصاحبي: قفا.. لكي أزن المكان

وقفره بمعلقات الجاهليين الغنيّة بالخيول

وبالرحيل. لكُلِّ قافية سننصبُ خيمةً.

ولكل بيتٍ في مهبِّ الريح قافية…

ولكني أنا ابنُ حكايتي الأولى. حليبي

ساخن في ثدي أمي. والسرير تهزُّهُ

عصفورتان صغيرتان. ووالدي يبني عدي

بيديه… لم أكبر فلم أذهب إلى

المنفى. يقول السائح: انتظر اليمامة ريثما

تنهي الهديل! أقول: تعرفني

وأعرفها، ولكن الرسالة لم تصل.

ويُقاطع الصحفيّ أغنيتي الحفيّة: هل

ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع

الألبان ذاك؟ أقول كلاّ. لا

أرى إلا الغزالة في الشباك.

يقول: والطرق الحديثة هل تراها فوق

أنقاض البيوت؟ أقول: كلاّ. لا

أراها، لا أرى إلا الحديقة تحتها،

وأرى حيوط العنكبوت. يقول: جففّ

دمعتيك بحفنة العشب الطريّ. أقول:

هذا آخري يبكي على الماضي…

يقول السائحُ: انتهت الزيارة. لم

أجد شيئاً أصوّرُهُ سوى شبح.

أقول: أرى الغياب بكامل الأدوات،

ألمسه وأسمعه، ويرفعني إلى

الأعلى. أرى قصص السماوات القصيّة.

كلما متُّ انتبهتُُ، وُلدتُ ثانية وعدت

من الغياب إلى الغياب.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: