ثقافة: مقاطع من كتاب مريد البرغوثي الذي وقعه في معرض بيروت للكتاب..إلى ساقي القهوة أبو منذر

وقّع الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي مساء أمس الثلاثاء كتابه النثري “ولدت هناك، ولدت هنا” الصادر في أيار هذا العام، وذلك في معرض بيروت للكتاب.

في ما يلي مقاطع من الفصل الأول للكتاب، مهداة إلى ساقي القهوة أبو منذر الداموني في مخيم نهر البارد، الذي يعرفه سكان مخيم نهر البارد بقهوته التي يقدمها بهدوء إلى الناس وسط أزمة الإعمار في المخيم، ويعرفونه بوجهه المريح وسط حصار العصبيات.

تحيّة إلى أبو منذر الذي يعيش الآن في بركس “الحديد”، ويوميا أول من يفتح أبواب أمل الإعمار في مكان عمله بصبر الصيّاد الذي خذله البحر ذات مرّة، وبصبر الفدائي الذي خذلته الثورة والسلطات أكثر من مرّة، وبصبر المُشتّت الذي تخذله كل نقود إعادة الإعمار يوميا، وبصبر البشوش الذي تخذله العصبيات يوما بعد آخر!

الفصل الأول من الكتاب: السائق محمود

[…] أقف بانتظاره تحت مظلة باب الفندق في رام الله. يصل في موعده تقريبا…

– السيد برغوثي؟

[…] ينطلق بنا إلى أريحا دون أن ينطق بكلمة، كأنه يخفي سراً ويبحث عن توقيت مناسب لإفشائه. واضح أنه قرر تجنب “حاجز قلنديا” […]

– صباح الخير عليكم جميعا، إسمي محمود، هذي آخر سيارة للجسر اليوم، إسرائيل أبلغت الديبلوماسيين الأجانب أن الاجتياح سيتمّ الليلة أو غدا وطلبت منهم أن يدبّروا أنفسهم. أولاد الحرام، المهم عندهم الأجانب، إحنا مش بشر. الجيش مستنفر، الطرق مغلقة، الحواجز الطيارة في كل مكان. الطقس سيئ كما ترون، لكن لا بد أن نصل الجسر بعون الله. قهوة؟ صُب للجميع يا حاج؟ كبير القوم خادمهم. اتفضلوا القهوة.

لا يبدو على الركّاب اضطراب استثنائي من خبر الاجتياح الوشيك الذي أعلنه محمود، بل أن الراكب البدين الجالس أمامي في المقعد الأوسط علّق متهكما:

– كأن الفيلم ناقصه “أكشن”! يقتلوننا “بالفَرْد” يوميا، وبين فترة وأخرى يشتاقون لقتلنا “بالجملة”، المهم أنهم اجتاحونا مائة مرّة بلا فائدة، أفلسوا. “واللي بيجرّب المجرَّب عقله مخرّب”. ما عندهم إلا الطخ والقتل. كل مرة بهاجموا وبطخطخوا وبيقصفوا بالطيارات وبيروحو. وبعدين؟

وقال جاره:

– مسخرة! اللي بيشوف اجتياحاتهم لقرانا ومخيماتنا بحسبهم خارجين لغزو الصين! مع أنه بإمكانهم اعتقال أي واحد منا أو ترحيله خارج البلاد أو حبسه أو قتله بلا دبابات وبلا مدرعات وبلا إف 16 حتى ياسر عرفات ذاته. مين بده يمنعهم؟

سكت لحظة ثم قال بهدوء كمن يحدّث نفسه:

– لكن يا عمي مشروعهم مش ماشي، دولة إسرائيلية على حسابنا مش زابطة معهم. وين بدهم يروحوا منا؟ بدهم يقتلونا كلنا؟ مشروعهم ورّطهم ورطة إلها أول ولا آخر، هم عارفين إنهم في ورطة بتكبر سنة بعد سنة. معك حق والله إنهم أفلسوا.

أنا الذي ابتعدت لسنوات طويلة عن هؤلاء الناس من أبناء بلدي وعن تفاصيل حياتهم اليومية لا أستطيع أن أستخف بخطط شخص مرعب كشارون لاجتياح مدننا وقرانا بينما هم أنفسهم، أبناء هذه المدن والقرى الذين لم تُقصهم المنافي، يحولون الأمر إلى مادة للتندّر. هل هو التعود؟ أم هي المكابرة؟ أم هي الثقة التي تُراكمها ثقافة الإقامة في التفاصيل؟ أم هو فعل المقاومة الذي يجسدونه بمجرد بقائهم المادي في المكان؟

أقرر أنا الآخر أن أقنع نفسي أن الأمر عادي. لا أتبرع بإبداء قلقي مما سيفعله مهندس مجزرة صبرا وشاتيلا عندما يُطلق دباباته وجنوده الكثيفين المصفّحين كالدبّابات في شوارعنا غدا أو بعد غد. وأقول في نفسي ليت قيادتنا المذعورة من إسرائيل تدرك ما يدركه هؤلاء الركاب من حقيقة المأزق الإسرائيلي.

يتناول السائق من تحت قدميه ترمس قهوة، يعطيه للشيخ الراكب بجواره ويزوده بعمود من أكواب من البلاستيك الصغيرة.

مع سكب الكوب الأول تتسابق رائحة القهوة مع رائحة الهال سباقا ماكرا، يصل الهال أولا بالطبع.

– الله يهدها على شارون يا رب، تفضل يا بني، انتبه، سخنة جدا، أعط الحاجّة، تفضلوا.

يصلني الكوب من يد الفتاة الجالسة أمامي في المقعد الأوسط، ألمسه بحرص، أنظر إليه، أرفعه إلى شفتيّ وأرشف رشفة أولى. هذه قهوة. ربما ينقصها فنجان أنيق لتغدو قهوة أخرى، لكنها قهوة في وقتها تماما. يختلف الناس في سرّ القهوة وتختلف آراؤهم: الرائحة، اللون، المذاق، القوام، الخلطة، الهال، درجة التحميص، شكل الفنجان، وغير ذلك من الصفات. أما أنا فأرى أنه “التوقيت”. أعظم ما في القهوة “التوقيت”، أن تجدها في يدك فور أن تتمناها. فمن أجمل أناقات العيش، تلك اللحظة التي يتحول فيها “ترف” صغير إلى “ضرورة”. والقهوة يجب أن يقدمها لك شخص ما. القهوة كالورد، فالورد يقدمه لك سواك، ولا أحد يقدم وردا لنفسه. وإن أعددتها لنفسك فأنت لحظتها في عزلة حرة بلا عاشق أو عزيز، غريب في مكانك. وإن كان هذا اختيارا فأنت تدفع ثمن حريتك، وإن كان اضطرارا فأنت في حاجة إلى جرس الباب. والقهوة ألوانها مذاقات وأذواق، الشقراء والغامقة والمحروقة والوسط، ومن ملامح من يقدمها لك، وظروف تقديمها، تكتسب معانيها المختلفة. فقهوة التعارف الأول غير قهوة الصلح بعد الخصومة، وغير قهوة يرفض الضيف احتساءها قبل تلبية ما جاء يطلبه. وقهوة الكتابة غير قهوة القراءة، وهي في السفر غيرها في الإقامة، وفي الفندق غيرها في البيت، وقهوة الموقد غير قهوة الآلة. وهي من وجه مرِح مليح في المقهى غيرها من وجه متجهم منكود. وإن قال لك زائر الفجر وهو ينتزعك من عائلتك ويقتادك بلطف رسمي وابتسامة مسلحة، نريدك على فنجان قهوة “عندنا” فهذا أحد أنواع الخطف أو القتل. فالغبي هو من يمطئن لقهوة الحكومة. وقهوة العرس غير قهوة العزاء حيث تفقد “القهوة السادة” كل معانيها، يديرها على الجالسين المنكوبين ساق منكوب لا يعرف ضيوفه ولا يسألهم كيف يفضلونها، فلا الساقي هو الساقي ولا القهوة هي القهوة وفنجانها مخروطي بلا أذن، لا يعنيك توقيتها ولا مذاقها وهي آخر ما يهمك في يوم كذلك اليوم، كأن اسمها سقط عنها إلى الأبد.

… إنها تسير في الحقول، ولا أدري كيف سيقودنا هذا إلى أريحا.

رُقع مائية وحصى ونباتات برية متناثرة في ضباب أخذ يخف تدريجيا. على مرمى البصر أشجار زيتون ضخمة مقتلعة من قراميها، كجثث مهانة في العراء. أقول هذه الأشجار قتلى، وهذه البرية قبرها الجماعي المفتوح. وراء كل شجرة زيتون تقتلعها الجرافات الإسرائيلية ثمة شجرة أنساب لفلاحين فلسطينيين تسقط عن الحائط. الزيتون في فلسطين ليس مجرد ملكية زراعية، إنه كرامة الناس، وهو نشرة أخبارهم الشفهية، حديث مضافاتهم في ليالي السمر، بنكهم المركزي ساعة حساب الربح والخسارة، نجم موائدهم، ورفيق لقمتهم. هو بطاقة الهوية التي لا تحتاج إلى أختام ولا صورا ولا تنتهي صلاحيتها بموت صاحبها، تظل تدل عليه، تحفظ اسمه وتباركه مع كل حفيد جديد وكل موسم جديد. الزيتون هو الثمرة نفسها، الحبة الخضراء بكل درجات الأخضر، أو السوداء بكل درجات الأسود، أو ذات اللون العنّابي المصقول، لوزية أو مستطيلة أو بيضاوية أو كروية، هو وصفات وفنون ومذاقات: الرصيص والمملوح والمكمور والمشطب والمحشو باللوز أو بالجزر أو بالفلفل الأحمر الحلو. الزيتون هو المكانة بين الناس وهو موهبتهم. موسم قطافه في الخريف الساحر يحوّل رجال القرية ونساءها وأطفالها إلى شعراء ومُغنين وزجّالين، يرفعون بإيقاعاتهم العمل المرهق إلى مصاف النزهات البريّة والفرح الجماعي. هو الزيت المعصور في القفف الليفيّة الهائلة الحجم، سائلا حائر اللون بين الأخضر البرّاق والذهبي الغامق، من قطفة عصيره البِكر يتبادلون أفسح الهدايا، وفي جراره المصطفة في أحواش الدور، يخزنون هدوء بالهم، والأساس الذي لا غنى عنه لقونهم كفاف يومهم، إن اعتلّ أحدهم فالزيت دواؤه أيضا يدهنون به مواضع الألم فيسكن، (أو لا يسكن، لكنهم هكذا يظنون). من أواخره يصنعون الصابون في أحواش البيوت، أو يوزعونه على الدكاكين: “صابون الشكعة”، “صابون طوقان”، صابون “نابلس حسن شاهين” وغيرها. من أخشاب أفرعه وعيدانه الناتجة عن التقليم الموسمي ينحتون التحف والمجسمات الخشبية البديعة للمساجد والكنائس والصلبان، ينحتون بكل إتقان لوحة العشاء الأخير والمذًوَد ومشهد ميلاد المسيح، وتماثيل صغيرة للسيدة مريم العذراء، يصنعون علب الأرابيسك بأحجامها المختلفة المكسوة بأصداف البحر الميت، والعقود والمسابح، والخيول وقوافل الجمال، ينحتونها في ملاسة العاج ولمعانه وصلابته المدهشة. ومن نوى الزيتون المجروش يستخرجون “الجِفت” الناعم وقودا لمواقدهم إلى جانب الفحم أو بدلا منه، يشوون على ناره المطمئنة حبّأت الكستناء في مربعانية الشتاء، ويتركون بكرج القهوة يغلي على مهله هادئا، رائقا، وسط انهيار جبال الرعد في الخارج ثم تكونها من جديد، لتنهار من جديد، يسبقها البرق المتردد تارة، والحاسم تارة أخرى، بين مكر دعاباتهم وتندّرهم على أحوالهم القاسية، والتفنن في النميمة، ونظرات الغزل التي تمتزج فيها الجرأة بالحياء إذا ضمّت السهرة ولدا وبنتا في زيارات الأقارب أو الجيران. من لا يفضل القهوة منهم له إبريق الشاي الأزرق وأوراق الميرمية بعطرها الجبلي المدوّخ.

أقول هذه الأشجار قتلى. وهناك في مكانين مختلفين، في اللحظة ذاتها، فلاح فارغ الكفين وجندي مملتئ زهوا. هناك، في غرفة الليل ذاته، فلاح فلسطينييحدّق في السقف، وجندي إسرائيلي يحتفل.

الرذاذ يتواصل.

الطريق يزداد وعورة. […]

أقول لنفسي: يمكن للماشي أن يقطع هذا الوادي على قدميه، يمكن للخيول والبغال أن تتدبر أمرها لاجتياز هذه العريجات الوعرة، لكن كيف تستطيع سيارة تكسي قديمة تحمل سبعة ركاب بحقائب سفرهم، يلاحقها الضباب والمطر وجيش “الدفاع” الإسرائيلي بكمائنه السريّة خلف الأشجار. أقول هذا الشاب الفلسطيني يحاول صنع معجزة صغيرة دون أن يدري، يمارس بطولة لا يعي أنها بطولة. هو سائق موظف، يريد أن يتقن عمله الروتيني الذي يتقاضى منه مرتبه الشهري. الآن هو قائد هذه الرحلة ولا يريد أن يخذلنا. نحن الآن شعبه الكامل العدد المكون من شيخ وامرأتين، سافرة ومنقبة ورجل قصير القامة وآخر بدين وطالب جامعي وشاعر يدهشه ما يرى ولا يريد خدشه بالكلام. […]

أنا أغار من عزمه وقدراته، وأنا معجب به إلى درجة الاعتزاز. ولا يمكنني أن أقول له ذلك أن في العبارة مسحة من التعالي أو الأبوية أو التراتبية التي تلغي التساوي الإنساني. وهل يمكن أن أوصل له هذا الاعتزاز… بالبقشيش؟

وأنا قلق عليه.

أفكر أن أقول له “دير بالك على حالك” ولا أقولها.

هذه العبارة المحببة الحنون، هي أجمل ما يمكن للمرء أن يسمعه من شخص يعنيه عند الوداع. تقولها لي أمي كلما خرجب من البيت، كلما سافرت، كلما غبت في مهمة أو عمل. “دير بالك على حالك”.

كيف أدير بالي على حالي يا أمي؟

إذا أراد حاكم عربي اعتقالي فهو بلا شك سيعتقلني.

إذا أراد شرطي ركل خاصرتي وكبدي بقدميه فهو بلا شك سيركلني.

إذا أرادت دولة عربية شقيقة محترمة “ذات سيادة” أن تمارس سيادتها ضد جسمي النحيل أو ضد كلماتي العادية لتطردني بحذائها المستورد فإنها ستطردني. […]

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: