ثقافة: في الذكرى الخامسة لوفاة الروائي عبدالرحمن منيف، شخصيات روايات الأماكن ما زالت تخرمش.. وفي المخيم

“البارد” – ينظم في الذكرى الخامسة لوفاة الروائي عبد الرحمن منيف نشاطا في دمشق بحضور الرسام مروان قصاب باشي وعدد من أصدقاء منيف من الكتاب والفنانين، مساء اليوم الاثنين في صالة تجليات. وقد رافق الرسام مروان روايات منيف حيث رسم أغلفة عدد منها. 

دعوة المناسبة مع رسم لمروان

المنفى، السجن، الاقتلاع، المكان، وغيرها هي من أبرز مواضيع روايات منيف الذي ظلّ منفيا من بلاده في الجزيرة العربية حتى مماته. واتسمت حياة منيف بالانتقال من منفى إلى آخر بين العراق وسوريا وفرنسا ولبنان والأردن وغيرها. ولحقت رواياته بحاله المنفية. لكن منع رواياته هنا وهناك في العالم العربي لم يتمكن من منع وصولها بلهفة إلى قرّاء العالم العربي كله حيث يبحثون عنها في المكتبات التي تبيع الكتب الممنوعة، بما فيها السعودية التي نفي منها. وقد ترجمت روايات له إلى عدّة لغات.

من أبرز روايات منيف خماسية “مدن الملح” التي يمكن اعتبارها من أفضل ما كُتِب روائيا، بل وتاريخيا، عن تقلبات المجتمع والسياسة في الجزيرة العربية، حيث تبدأ الرواية بقصة اقتلاع واحة في الصحراء، وادي العيون، في سبيل البحث عن النفط. ومنها يبدأ منفى متعب الهذّال، شخصية الرواية الأسطورية. وبسبب هذه الرواية، سحبت الجنسية السعودية من منيف ونفي من بلده. ويذكر أن شخصيات روايات منيف الأسطورية ما زالت حاضرة أحيانا في الواقع حتى بعد مماته، وما زال كثيرون يتحدثون عنها. على سبيل المثال،  تلقت جريدة لبنانية فاكسا بعد ممات منيف موقعا من قبل متعب الهذال، شخصية رواية مدن الملح، مما استدعى اجتماعا طارئا لمكتب تحرير الصحيفة حينها.

 ففي رواية “مدن الملح” تصوير دقيق للسلاطين ومستشاريهم والمستشرقين الاستعماريين الذين يقتلعون الأماكن اقتلاعا، ويحولونها إلى أماكن غير إنسانية ومتوحشة خاضعة للقمع وسلطة المال. من هذه المشاهد ما افتتن به مستشار الأمير، الحكيم صبحي المحملجي، بنظرية حول المكان يصورها منيف بسخرية، وهي نظرية المربع، ولكن يصورها أيضا بتناقضات الشخصية وأحلامها ثم انكسارها. وقد أسر المستشار الحكيم صبحي بنظريته حيث أراد أن يطبقها على مدينة موران الجديدة! 

تجعلنا روايات منيف المليئة بالمستشرقين، خصوصا مدن الملح وأرض السواد، وبالسلطات العربية التي تستلهم خططهم وحداثتهم وأحلامهم وتكبّرهم على الأماكن العربية بإيقاع حياة أناسها اليومية وأحلامهم، مقابل سعيهم إلى تغيير الأماكن جذريا، تذكرنا بالمستشرقين الاستعماريين ومن يستوحون الأفكار منهم لتطبيق “النموذج”على مخيم نهر البارد مثلا. فبعضهم يبدو حالما ومتأثرا بأفكار “حديثة” وجديدة. وكأن فكرة “الشرطة المجتمعية” الأنغلو- سكسونية، التي استلهمها رسميون لبنانيون ومستشاريهم من مراكز وأجهزة أمنية في ونيويورك ولندن ليسقطوها على المخيم الفلسطيني، تجعلنا نستذكر كيفية الخروح بـ”نظرية المربع” وأضلاعه التي شُغف بها الحكيم صبحي مستشار الأمير في رواية “مدن الملح”! يتحدثون عن هذه الأفكار والنظريات بشغف وأحلام طفولية. فقد بدا منيف حريصا على إظهار هذه الشخصيات الروائية بكل تناقضاتها الإنسانية، وبكل دقة. فالمستشرق هاملتون يظهر كواحدة من الشخصيات الرئيسية في “مدن الملح”.وتظهر كل تأملاته حول بلده والصحراء وسكانها. والحال يطال شخصية القنصل الإنجليزي ريتش وزوجته في رواية “أرض السواد”. 

 كتب منيف عن شخصيات إنسانية بكل ما تحيط بها الأماكن العربية من قمع واقتلاع وتهميش وفقر واحتلال وثورة وأحلام وخيبات. والأماكن في روايات منيف لا تهدأ. وقد وصف بطريقة روائية تقلباتها وحركتها وتبدلاتها. الأماكن تبدو حاضرة بقوة في روايات منيف وشخصياتها سواء كانت في الصحراء العربية وواحاتها التي يحادثها متعب الهذّال وتبدو حتى الشجرة تصرخ وتتلوى وجعا (مدن الملح)، أو السجن بحد ذاته الذي يحاور رجب جدرانه والنمل فيه كما في السفينة التي يستنطقها رجب ويصرخ بها (شرق المتوسط)، أو في قرية تنسلخ عن نفسها (الأشجار واغتيال مرزوق)، أو بغداد ومقاهيها وأحيائها وتبدلات السياسة فيها تاريخيا (ثلاثية أرض السواد)، أو الجسر والبريّة والهزيمة (حين تركنا الجسر) وفي رواياته الأخرى. وقد كتب منيف كتابا عن عمّان (سيرة مدينة) كجزء من سيرة ذاتية في مطلع عمره.

واحد من أغلفة رواية مدن الملح القديمة

وتنتشر الأماكن في رواياته وكتاباته على مساحة العالم العربي من الخليج والعراق وصولا إلى المغرب حيث كتابه “عروة الزمان الباهي”. وفي كتاباته الكثير من تفاصيل الأماكن عن المقاهي والأماكن والصحراء والمنافي. تستحق مثل هذه الروايات أن تعلّم في الجامعات ليس في كليات الأدب فحسب، بل في كليات السياسة والهندسة والعمارة عسى أن يتعلم المسئولون والمستشارون والمخططون والمعماريون من الروايات وشخصياتها وكيف تنبض الأماكن فيها، حيث تصبح الأماكن عوالم “بلا خرائط” وبلا نماذج تُسقط على الأماكن من دون الإحساس بها.

ومن التجارب المميزة في الرواية العربية تلك الرواية المشتركة التي كتبها منيف مع الروائي الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا “عالم بلا خرائط”. وفي هذه الرواية، مثل الروايات الأخرى، يأسرك منيف بمشاعر لا تهدأ، وبتأملات عميقة في الحياة. فمنيف ليس روائيا فحسب، بل هو مثقف عربي ألف عددا من الكتب في الثقافة والفن والسياسة وعن كتّاب آخرين (“لوعة الغياب” مثلا). ومن مميزات منيف أيضا التواصل مع فنانين وكتّاب آخرين، وقد تناوب رسّامان بارزان على رسم أغلفة رواياته.

يقول كتاب لنبيه القاسم عن الروائي:” في بناء منيف لعالمه الروائي لم يكن المكان عاملا مكملا او زخرفا وحلية للتأنق ولكنه برز كعامل حاسم ومحوري في تطور الاحداث. يقول منيف ان المكان ليس جامدا او محايدا، انه الحاضنة التي تتكون فيها الافكار والعلاقات وتكتسب من خلالها حتي الملامح ونمط القول والنظرة وبالتالي يترك المكان بصمته القوية علي البشر والشجر وكل ما ينهض فوقه”.

ما بين هذا الاهتمام بالمكان وسط المنفى الدائم، وبين “عالم بلا خرائط”، نحيي الذكرى الخامسة لوفاة منيف. نحيي الذكرى وما زالت الأماكن، التي شغف منيف بالكتابة عن الإنسان وسطها، تراوح نفسها. فالسجون العربية على حالها، والمنافي أشدّ قتامه، وقد رحل منيف بعد احتلال بغداد. وكانت مناسبة لأن يكتب بلوعة كتابا غير روائي عن العراق “هوامش من التاريخ والمقاومة”، بعد روايته “أرض السواد” عن بغداد. وكان قد عاش بغداد سابقا وعرفها عن قرب. فالكتابة عند منيف هي “خرمشة” أحيانا كما يقول.

رسم لمنيف بريشة مروان على غلاف كتاب عن الروائي صدر العام الماضي

إنها لوعة الغياب ليس لعبد الرحمن منيف فحسب، أحد أبرز الروائيين العرب، بل أيضا للمثقف وصاحب الموقف من جميع الدكتاتوريات العربية، وأهم كتّاب الأماكن، ومن نالت فلسطين مكانة في قلبه. 

 بين جذوره في الجزيرة العربية وبين جذوره العراقية، توفي منيف في منفاه دمشق، حيث تعيش عائلته، ودفن فيها.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: