الحقوق المدنية برسم وزارة الدولة الجديدة لشؤون الفلسطينيين- جنى نصر الله

مقدمة الدستور والالتزامات القانونية تحول دون منحها
الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان من عمر قضيتهم… وبرسم وزارة دولة

جنى نصر الله- جريدة النهار- 27 تشرين الثاني 2009

اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، اوضاع المخيمات الفلسطينية المزرية، الحقوق المدنية للفلسطينيين، وسواها من العناوين المشابهة، تطفو حينا على سطح الاحداث لتخبو احيانا طويلة

وكما بات معروفا، فإن سر اثارة هذه القضية او طمسها بكل تشعباتها ومتفرعاتها مرتبط أولاً وأخيرًا بعنوان مؤلف من عبارتين متناقضتين تسيران في اتجاهين معاكسين هما: التوطين وحق العودة. ففي حين تشكل العبارة الأولى اساس الداء، تحمل العبارة الثانية في طياتها الدواء الشافي الذي لا يزال استخدامه معلقاً في انتظار الحل الشامل للقضية الفلسطينية. وبين الخوف من التوطين الذي يتفق اللبنانيون على رفضه وإن من منطلقات مختلفة جذرياً وبين حق العودة الذي مات عشرات آلاف الفلسطينيين وولد اضعافهم منذ عام 1948 وحتى اليوم قبل ان يُعبد هذا الطريق امامهم، ضاعت ابسط حقوق الفلسطينيين المدنية انطلاقا من ان منحها سيُضر بحق العودة ويمهد للتوطين.
هذه المعزوفة التي عاش الفلسطينيون على انغامها وماتوا منذ ان هُجّروا من وطنهم الأم فلسطين وحُمّلوا بطاقة لاجئ، لا تزال تتكرر على مسامعهم على وقع ازدياد اوضاعهم الانسانية والمعيشية السيئة سوءا. ولا جديد فعليا يضاف الى القضية الشائكة سوى ما اعلنه قبل ايام رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط الذي طالب بـ”انشاء وزارة دولة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين بما يتيح بذل المزيد من الجهود للاهتمام بقضاياهم الانسانية والاجتماعية ويؤدي الى تحييد هذا الملف عن التجاذبات السياسية، فلا تبتدع الذرائع في كل مرة وتطلق شعارات التوطين للاستغلال السياسي الرخيص”.

تعريف اللاجئ

ومع تجدد طرح قضية اللاجئين الفلسطينيين على بساط البحث، لا بدّ من اعادة التذكير بتعريف اللاجئ وبحقوقه المدنية التي حُرم إياها طوال العقود الماضية، علما ان اللاجئ الفلسطيني اكتسب اكثر من تعريف على مرّ العقود الماضية.
بداية، تُعرّف “الأونروا” اللاجئ الفلسطيني بالشخص الذي كان يقيم في فلسطين خلال الفترة الممتدة بين 1 حزيران 1946 و15 أيار 1948 وفقد بيته ومورد رزقه نتيجة حرب 1948. ويقتصر هذا التعريف عملياً على من يحق له الانتفاع من خدمات “الاونروا” التي تشمل الفلسطينيين المقيمين في مناطق عملياتها الخمس وهي الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان والاردن وسوريا والبالغ عددهم 4،6 ملايين لاجئ وفق احصاءات عام 2008. غير ان تعريف اللاجئ هو اكثر شمولاً واتساعاً ربطاً بغايات العودة والتعويض المنصوص عليها في قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194 الصادر في كانون الاول 1948. وبناء عليه ينقسم اللاجئون الفلسطينيون والنازحون المحليون الى فئات عدة هم: لاجئو عام 1948 وابناؤهم المسجلون لدى “الاونروا” وغير المسجلين، النازحون داخل فلسطين المحتلة، والنازحون نتيجة حرب 1967.
في المقابل، قدمت مجموعة العمل الخاصة باللاجئين، وهي احدى اللجان المتعددة الاطراف المنبثقة من مؤتمر مدريد 1992، تعريفا اكثر دقة للاجئ وفيه ” ان اللاجئين الفلسطينيين هم اولئك الفلسطينيون، ومن تحدّر منهم، الذين طردوا من مساكنهم او اجبروا على مغادرتها بين 29 تشرين الثاني 1947 وكانون الثاني 1949 من الاراضي التي سيطرت عليها اسرائيل في التاريخ أعلاه”.
أما وقد تمّ تعريف اللاجئ، فكيف يفترض التعامل معه؟
هذه هي المعضلة التي واجهتها السلطات اللبنانية منذ ان بدأ الفلسطينيون بالتدفق الى اراضيها، التي لجأ اليها 127600 فلسطيني عام 1948، ثم ما لبث ان ارتفع عددهم تدريجاً ليصل الى 422188 لاجئا وفق آخر احصاء اُجري في كانون الاول 2008، لتصبح معها نسبة اللاجئين الفلسطينيين نحو 11% من مجموع سكان لبنان (“النهار” 29 – 4 – 2009).
كان على لبنان ان يتعامل مع الفلسطينيين إما بصفتهم لاجئين سياسيين او رعايا اجانب. ويرتكز تعريف اللاجئ السياسي على ما نص عليه اتفاق جنيف الموقع عام 1951، اذ عرّف هذه الاتفاق، الذي التزم لبنان تطبيقه، اللاجئ بأنه كل”انسان يخشى جدياً تعذيبه او اضطهاده، بسبب جنسه او دينه او جنسيته، ووجد خارج بلاده قبل العاشر من شهر كانون الثاني 1951 بسبب احداث وقعت في البلاد التي يحمل جنسيتها، وهو مجبر على الاقامة في البلد المضيف لاسباب قاهرة وخارجة عن ارادته”. واعطت المادة الرابعة من هذا الاتفاق اللاجئ “حق الاستفادة من الامتيازات التي يستحقها المواطنون، مثل الرعاية الصحية، وسلّم عادل للاجور والتعويضات العائلية، وساعات العمل المحددة”.
وجاء بروتوكول الدار البيضاء الذي صدر عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب عام 1965 ليعزز وضع اللاجئ الفلسطيني، اذ نص في فقرته الاولى على ان “يعامل الفلسطينيون في الدول العربية التي يقيمون فيها معاملة رعايا الدول العربية في سفرهم واقامتهم وتيسير فرص العمل لهم مع احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية”. ومع ان الحكومة اللبنانية صادقت على البروتوكول، الا انها اضافت تحفظا وافقت فيه على منح المقيمين في لبنان الحقوق اسوة بالمواطنين، ولكن بقدر ما تسمح به احوال الجمهورية اللبنانية الاجتماعية والاقتصادية. وهكذا ألغى التحفظ عمليا مضمون البروتوكول. ولما كانت احوال الجمهورية لا تسمح، وهي لا تزال كذلك على ما يبدو، كان لا بد من اللجوء الى الخيار الثاني القاضي بمعاملة اللاجئين الفلسطينيين على أساس انهم “رعايا اجانب”. ولكن الثغرة الاساسية في هذا الخيار تكمن في افتقار الفلسطينيين الى دولة يتيح وجودها اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل. اي بمعنى آخر، لا يمكن اللبنانيين العمل في الاراضي الفلسطينية والاستفادة من الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية والمهنية التي يحصل عليها الفلسطينيون في حال اتيح لهم العمل في لبنان ( “مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية”).
وفي النتيجة، الفلسطينيون في لبنان لاجئون ولكنهم لا يحظون بالحقوق التي تنص عليها القوانين الدولية، ورعايا اجانب مع وقف التنفيذ في انتظار نشوء دولتهم التي تتيح مبدأ التعامل بالمثل.
وفي الانتظار، حُرم اللاجئون الفلسطينيون ابرز الحقوق المدنية، ومنها الحق في العمل، اذ انهم كانوا ممنوعين من ممارسة 70 مهنة تخضع في معظمها لنظام النقابات والمهن الحرة الذي فرض شروطا معينة لممارستها، الى ان اصدر وزير العمل السابق طراد حمادة في حزيران 2005 مذكرة تسمح للاجئين الفلسطينيين بالحصول على اجازات عمل وولوج القطاع المصرفي والوظائف الادارية ووظائف الحاجب/ الكاتب، وهي كانت محصورة بالمواطنين اللبنانيين، شرط ان يكونوا من مواليد لبنان، ومسجلين رسميا في مديرية شؤون اللاجئين في وزارة الداخلية.
ويشكل التملك العقاري حقاً آخر حرم منه اللاجئون الفلسطينيون. فاستناداً الى ما ورد في الفقرة “ط” من مقدمة الدستور التي تقول “لا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين”، لا يسمح للفلسطيني بتملك مساحة عقارية او مبنى او مسكن او حتى استئجار شقة.
هذه بعض الحقوق المدنية التي حرم اياها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. فاذا حرم المرء الوظيفة والمسكن والضمان الصحي، فاي نوع من الحقوق يتمتع به؟
والسؤال: هل ان وجود وزارة دولة لشؤون اللاجئين سيشكل الحل الناجع لهذه القضية، ام ان الأمر لن يعدو كونه شكلاً جديداً لتغليف هذه القضية من دون المساس بجوهرها؟ وليس التساؤل من باب التشكيك في النيات، ولكن هل يمكن وزارة دولة ان تحل قضية عجزت السلطات اللبنانية المتعاقبة عن ايجاد حل لها، وخصوصاً ان مسألة بهذا التعقيد تحتاج الى قرارات تتخذ على مستوى الدولة وليس في وزارة دولة، والا كيف يمكن تعليل كل هذا التأخير في بت الموضوع الفلسطيني في شقه الانساني البحت؟ هذه الاسئلة وسواها لا بدّ ان تجد لها الاجابات المناسبة مع انطلاق ورشة العمل والبحث في شؤون اللاجئين التي أوكل أمرها الى وزير الدولة وائل ابو فاعور. ومن انتظر عقودا للحصول على ابسط حقوقه المدنية، لا بد من ان ينتظر اشهراً قليلة لتبيان الخيط الابيض من الخيط الأسود من المصير الذي سيؤول اليه ملف عمره من عمر القضية الفلسطينية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: