تحليل إخباري (الحلقة الثانية)- هل هناك نموذج في مخيم نهر البارد للمخيمات الأخرى في لبنان؟

الحلقة الثانية: نماذج متصارعة، أم حلّ أزمة نهر البارد؟

البارد”- فريق تحرير بيروت

US-EU.preview

نموذجان متصارعان في نهر البارد؟

بينما عالجت الحلقة الأولى موقف الحكومة اللبنانية عن “نموذج” في مخيم نهر البارد ليعمم على بقية المخيمات الفلسطينية في لبنان، كما رأي الجانب الرسمي الفلسطيني، يسير فريق تحرير مدوّنة “البارد” مع الحوارات في حلقة ثانية وأخيرة عن وجود نموذج في نهر البارد، وأين وصل إن كان موجودا، أم أن المطالبات الآن هي في مكان آخر؟

حقل تجارب لنماذج متصارعة

في وقت ظهر فيه بوضوح بأن التوجه الرسمي الفلسطيني هو محاولة الهروب من أسرهم بنموذج يفرض عليهم في نهر البارد من قبل الحكومة، يرون فيه عودة إلى “المكتب الثاني” ما قبل العام 1969، كان لافتا أن الأستاذ ساري حنفي طرح بدوره نموذجا آخر على المخيمات “بالاستفادة من نموذج بورتو أليغري” في البرازيل، وهو ما أثار جدلا في مؤتمر “الحكم المحلي في المخيمات الفلسطينية للمشرق العربي” في الجامعة الأميركية في بيروت نهاية الشهر الماضي.

قدّم حنفي نموذجا مقتبسا من تجربة المشاركة الشعبية في بلدية بورتو أليغري عبر منتديات شعبية تشاركية. ثم اقترح بأن يكون هناك في المخيم مجلس للجنة الشعبية، يحاكي مجلس بلدية بورتو أليغري، فيه ممثلين عن جهات فاعلة من الفصائل الفلسطينية والجمعيات والأونروا وكفاءات وغيرهم. واقترح الإنتخابات في مخيمات الأردن وسوريا “بينما من المبكر الحديث عن إنتخابات في مخيمات لبنان” بحسب حنفي الذي لم يدلل على رأيه بنتائج بحثية، علما أن عملية الانتخابات متقدمة في لبنان عن مثيلاتها في الأردن وسوريا. وقال بأنه مع إدخال مخفر وسط المخيم إذا ما أعطيت حقوق للفلسطينيين.

تساءلت ليلى زخريا عن كيفية الوصول إلى هذا النموذج عبر اقتباس تجربة بورتو اليغري أم عبر نتائج البحث الذي قام به الباحثون في معهد عصام فارس في الجامعة. ثم عرض باحثون للمخيمات بحوثا عامة توصيفية لأشكال الإدارة المحلية في الأردن وسوريا والضفة الغربية. وكان أبرز ما طرح في البحوث هو الباحث مصطفى هلال بوصفه أن مخيمات الضفة الغربية لا تدخل شرطة السلطة الفلسطينية إليها- إلا مؤخرا بسبب الملاحقات الأمنية وبتوترات- على الرغم من أن لجانها الشعبية مسيطر عليها بالكامل من فصائل منظمة التحرير وخصوصا حركة “فتح”. وهو ما يلفت النظر إلى المقارنة مع التجربة اللبنانية التي لا تنظر فعليا إلى المخيم كخصوصية لجوء فلسطينية، بقدر ما تتعامل معها من منظارها الذاتي على قاعدة “بسط نفوذ الدولة”.

أما الباحثة نازك صالح من الأردن فبيّنت أنه برغم سيطرة الدولة على المخيمات ولجانها، فإن المخافرعموما ليست داخل المخيمات بل على أطرافها. وعلى الرغم من الهيمنة للدولة على الحكم المحلي في مخيمات الأردن وسوريا، فقد ظهر في المداخلات المختلفة بأن المخيم هو مُكوّن أساسي للنسيج المديني في تلك البلدان، ولناسه الحقوق المنصوص عليها في القوانين الوطنية من دون تمييز.

من جهته، لم ير الباحث اسماعيل الشيخ حسن، وهو أيضا من هيئة إعادة إعمار نهر البارد، من فائدة في الحديث عن “طرح سيناريوهات” على المخيمات. وقال بأن “وثيقة فيينا كرّست كسر العلاقة ما بين الدولة اللبنانية والمجتمع المحلي الفلسطيني”، وذلك عبر “العودة إلى ما قبل العام 1969، بفرض السيطرة الأمنية والاستثناء”. وبيّن بأن الدولة وضعت نفسها في منظقة تعتبرها غير قانونية، قائلا أنه “من غير الممكن تدخل الدولة من دون إزالة التمييز”.

وكان لافتا حضور الرائد موسى كرنيب عن قوى الأمن الداخلي وتقديم مداخلة نيابة عن الأمن الداخلي “عبر طرح أمني لا سياسي”. شرح “نموذج الأمن الإنساني المنوي تنفيذه في نهر البارد”، مع ذكر الشرطة المجتمعية من دون تحديد مفهومها. وقال بأن مفهوم الأمن الإنساني يقوم على الاعتراف بالسيادة، وحق العودة، وظروف معيشة لائقة، وتحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته، والمشاركة مع المجتمع المحلي، وتأكيد حقوق الإنسان. وكرر رؤية الأمن الداخلي بأن المخيمات باتت ملاذا للإرهابيين مثلما حدث في نهر البارد وبأن “هناك وضع غير سليم في المخيمات” وبأن هناك خارجون عن القانون ومعدلات إجرام مرتفعة.

جاءت الردود متنوعة على مداخله كرنيب وغيرها. ادوار كتّورة (ممثل سفارة فلسطين) ردّ بأن هناك فقط أربعة عناصر لـ”فتح الإسلام” من مخيم نهر البارد، وبأن الجنسيات المتنوعة لـ”فتح الإسلام” تظهر بانها ليست أمرا داخليا في المخيم. وأضاف بأن هناك دراسة أظهرت بأن معدلات الجريمة في المخيمات هي أقل من منطقة الكسليك. وإذا ما أريد تطبيق القانون اللبناني التمييزي على المخيم عبر وضع مخفر، فذلك يعني بأنه لا يمكن لأي شخص حتى أن يفتح دكانا في المخيم. أما سميرة صلاح (من المجلس الوطني الفلسطيني) فردّت بأن الجيش اللبناني يحاصر مخيم عين الحلوة من أربع جهات، ومع سلك شائك يشبه سلك السجون، وكل يوم نسمع عن سارق يتمكن من دخول المخيم. وتساءلت: “من المسؤول عن ذلك؟ نحن نريد أمانا في المخيم أيضا. يأتي ذلك عبر إعطاء حقوق”.

تساءل اسماعيل الشيخ حسن عن كيفية تطبيق مفهوم “الأمن الإنساني” الذي يعني حقوق الإنسان بينما الفلسطينيون ممنوعون من حق التملك والعمل، إذن هناك تناقض واضح. وتساءل بأن “فتح الإسلام” كانت خارج المخيم القديم ولفترة طويلة، ضمن الأراضي البلدية للمحمرة، فلماذا لم تتحرك القوى الأمنية وتتعامل معهم؟ وتساءل لماذا فرض عقاب جماعي على مخيم نهر البارد عبر تصاريخ الدخول الأمنية، ولم يفرض ذلك على شارع المئتين في طرابلس حيث بدأت الاشتباكات مع “فتح الإسلام”، أو على أبي سمرة أو التبانة؟ ثم سال: “إذا كان عناصر “فتح الإسلام” قد قتلوا أو أسروا أو هربوا منذ سنتين، فلماذا هذه الإجراءات والتصاريح الأمنية مع مدنيي نهر البارد حتى الآن؟ وهل يحتاج المخيم، غير المعروف بأن فيه معدلات جريمة مرتفعة، أكثر من مخفر العبدة المحاذي، هل يحتاج إلى مخفر في المخيم الجديد ومخفر في المخيم القديم يفصل بينها مئات الأمتار، وفوق ذلك قاعدتين عسكريتين برية وبحرية؟! كيف تقررون وضع مخفر في منطقة لبنانية. ألا يجري ذلك عبر دراسة. ألا توصون للمستوى السياسي حول ضرورات اختيار مخفر أم لا؟”. وتساءلت المواطنة اللبنانية رشا نجدة، كما عرفت عن نفسها، عن سبب فرض “الشرطة المجتمعية” على نهر البارد وليس على التبانة وجبل محسن مثلا حيث الإشكاليات شبه يومية هناك.

ردّ كرنيب بأن قرار وضع مخفر في المخيم الجديد لنهر البارد قد اتخذ في مرسوم للعام 1991. وكان أبرز ما جاء في ردود كرنيب قوله بأن نماذج ’الشرطة المجتمعية‘ و’الأمن الإنساني‘ غير مطبقة حتى الآن على الأراضي اللبنانية. ودعا، باسم المدير العام لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي، جميع فعاليات المخيم للقاء والتشاور حول الخطوات المستقبلية. فنحن أمام تجربة جديدة، بحسب قوله.

جرى نقاش ساخن أيضا حول “نماذج” مقدمة سواء عبر الأستاذ حنفي أو الحكومة. انتقد عمرو سعدالدين، من هيئة إعادة إعمار نهر البارد، “نموذج بورتو أليغري” قائلا بأن البحث غير القائم على وصف العملية/المسار الذي أوصل إلى النتيجة، مع توصيات عملية مسبقة، هو مثل إسقاط بالبراشوت يشبه اسقاطات الحكومة على مخيم نهر البارد، ولو باختلاف، وبأنه يستبعد التوصية الأهم وهي التعلم من المسارات ومشاركة الفاعلين بأنفسهم في تطوير الحكم المحلي. أوضح أن تجربة بورتو أليغري مثلا حملها حزب العمال البرازيلي، وسقطت مع سقوطه في الإنتخابات البلدية. وقال بأن النقاش بين الفاعلين والناس العاديين حول تطوير الحكم المحلي الجاري حاليا في نهر البارد هو أعمق كثيرا من البحوث التي قُدمت، ولكن “لا يمكن التحدث بها هنا بحضور مسؤولين عن الدولة. فهذا ليس مكان أكاديمي لمناقشة حرّة حول أبحاث أكاديمية”.

يذكر أن مدينة بوتو أليغري تقع في البرازيل، ووتمتد على أربعين تلة حيث يبلغ سكانها مليونا ونصف المليون. ولا يزيد عموما عدد سكان المخيمات عن خمسين ألف شخص.

وجاء ردّ حنفي بأنه حتى لو هزم حرب العمال البرازيلي في الإنتخابات فإنها تجربة مشاركة يمكن التعلم منها، وهي تجربة ما زالت قائمة. وأوضح بأن هذا المؤتمر هو حول توصية سياسات ونقاش المسؤولين بها، وبأنه يمكن القيام بورش عمل أخرى في نهر البارد يشارك فيها فاعلون من المخيم. ولكن هناك مشاركة متنوعة في المؤتمر من فاعلين من المجتمع المدني واللجان الشعبية وغيرهم.

أما النقد الأبرز فكان لنموذج “الشرطة المجتمعية” الحكومي في نهر البارد، وتحديدا عبر السؤال الموجه إلى نديم شحادة، المستشار في “لجنة الحوار”، عن كيفية تفكيره “بإسقاط نموذج ’الشرطة المجتمعية‘ الأنغلو-ساكسوني الذي فشل في العالم، مثلا في كينيا وهونغ كونغ، وغير المطبق في معظم أوروبا، كيف أسقطته على مخيم نهر البارد الذي تتحدث بأنه خصوصيا فلسطينية معقدة داخل خصوصية لبنانية… علما أنه ليس مطبقا في لبنان نفسه، والخطورة أن الحكومة قد تبنته، وأصبح شتيمة بين الناس في نهر البارد ورفضته القوى المدنية والسياسية في المخيم. أحب أن أعرف كيف فكرت بذلك؟”.

أجاب شحادة بأن المرجعية الفلسطينية ربما عليها أن تشرح لأهالي المخيم عن الشرطة المجتمعية، ونحن قد قمنا بالتنسيق معهم حول المفهوم. عندها بادر سعدالدين إلى القول بأن الحوار يحتاج إلى صدق. حتى منظمة التحرير لم تجر مشاورتها بمفهوم الشرطة المجتمعية، فيما قلتم في مؤتمر فيينا بأنكم استشرتم منظمة التحرير حول ذلك، وممثلوها هنا ويمكن الاستيضاح حول ذلك. وأضاف: “سألتك عن ’الشرطة المجتمعية‘ فأجبت عن ’الأمن الإنساني‘. الأمن الإنساني مفهوم ظهر عبر برنامج الأمم المتحدة في العام 1994، ورغم النقد له هنا وهناك ولكنه يبقى مفهوما إنسانيا. هناك ’سياسة استهبال‘ حكومية للفلسطينيين. تطبقون الشرطة المجتمعية التي تتحدث وثيقة فيينا عنها بأنها تابعة للأمن الداخلي وعمليا عبر تحويل السكان إلى مخبرين كما هو مشروح في الوثيقة- هل أرسلتم بالمناسبة العناصر للتدريب في أميركا أم بعد؟- وتبيعوننا مفهوم ’الأمن الإنساني‘ وأدبيات حقوق الإنسان. مثلما قلتم لسكان نهر البارد بأنكم شركاء في النصر ثم أهنتوهم، مثلما قلتم للفصائل الفلسطينية بعد الحرب اللبنانية سلموا سلاحكم ونعطيكم الحقوق المدنية، واستهبلتوهم أيضا”.

عندها بادر شحادة إلى الرائد موسى كرنيب، ممثل قوى الأمن الداخلي، للإجابة عن سؤال “الشرطة المجتمعية”، وهو الذي كان قد قدم مداخلة عن مشروع ’الأمن الإنساني” الذي يفترض تطبيقه في نهر البارد.

تضارب النماذج و”السيادة”

في ردّ على سؤال حول أسباب دعوة فريق أمني للحديث في المؤتمر بينما الموضوع في يد السياسيين، تحدث حنفي عن تناقضات “السيادة اللبنانية” على الفلسطينيين ليس فقط من جانب الإنفصام بين الحقوق والواجبات، ولكن أيضا عبر عدّة دوائر للدولة متعاكسة. وقال حنفي بأن كل دائرة في الدولة تحيلك إلى دائرة أخرى ردّا على مطالب الفلسطينيين. ولذلك “قمنا بدعوة الجميع ليحضروا المؤتمر معا” مثلما أوضح في المؤتمر. وقد تغيّب ممثل الجيش اللبناني عن الحضور.

في حواراتنا على هامش المؤتمر، يغمز متابعون لملف نهر البارد إلى أن هناك مشروعا أوروبيا، ومشروعا أميركيا، متصارعان داخل دوائر الدولة اللبنانية حول ملف نهر البارد والفلسطينيين، عدا عن مشاريع كندية وأسترالية وغيرها (جرى الحديث إعلاميا مؤخرا عن مشروع استرالي للهجرة لسكان نهر البارد)، وهو ما يعبّر عن نماذج متصارعة، ومنها ذلك التناقض بين مفهومي الشرطة المجتمعية والأمن الإنساني. فالشرطة المجتمعية كما أشار أحدهم في المؤتمر هو مفهوم أنغلو-ساكسوني، والمهتمون بتطبيقه وتمويله هم بدرجة أولى الأميركيون ثم البريطانيون. فلا حاجة إلى سؤال ثم إجابة لنديم شحادة عن لماذا جرى إختيار هذا النموذج تحديدا. ويضيفون بأن هناك أكثر من خمس دوائر للدولة اللبنانية، غالبيتها استشارية، من دون جهاز مركزي تنفيذي، كثيرا ما تتصارع بحدّة في ما بينها. بينما تلعب “لجنة الحوار” دورا مسهلا وحواريا في موضوع الإعمار ودورا مترددا في موضوع الحكم المحلي للمخيم، وهي أقلها حديّة مقارنة نثلا بالمكتب الاستشاري الذي يراسه الدكتور ساطع الأرناؤوط مثلا، أو دائرة الآثار، وكأن نهر البارد حقل لتجارب هذه النماذج والرؤى المتصارعة.

من نتائج ذلك عمليا توقف الإعمار كليا منذ شهرين ونصف الشهر، وعدم إعمار أساسات أي بيت منذ عامين ونصف العام. يقول المتابعون “ليجلبوا السيادة أولا إلى الدولة والسراي. نحن من نبحث عن السيادة اللبنانية. وكل فترة نفاجأ باكتشاف جديد، وكان أخطرها أن يكون عقيد (قائد فرقة مجوقلة) في الجيش اللبناني من المسؤولين الأساسيين في حرب نهر البارد عميلا للموساد الإسرائيلي. نحن نريد دولة سيّدة تتحاور معنا، لا مشاريع ونماذج دولية، وصراعات طائفية داخلية، واختراقات أمنية بذيول موساد أو أجهزة عربية، ثم يتحدثون عن فرض السيادة الوطنية على فلسطيني نهر البارد”.

في محاولة لتوصيف أكثر دقة لصراع النماذج والمشاريع الدولية، تحصل على نصف إجابات. ما زال من المبكر توصيفها بدقة. ولكن إذا ما جرى النظر إلى الخارطة، فإن كل دوائر الدولة الاستشارية المعنية بملف نهر البارد إما ممولة مباشرة من الإتحاد الأوروبي أو البريطانيين والأميركيين والكنديين، مع صراعات داخلية في ما بينها وخصوصا البريطانيين كما الإيطاليين المحسوب فريقهم في لبنان منذ عام على حكومة برلسكوني بحسب مصادر ديبلوماسية إيطالية، وبحسب أدائهم أيضا عمليا في ملف البارد. الأميركيون مهتمون بالشرطة المجتمعية ومسؤولون عن تدريبهم. ولكن الجانب الآخر أكثر التباسا. أحد المستشارين الأمنيين البريطانيين مثلا، أليستر هاريس، الذي قدّم مداخلة انتقد فيها ضمنا مفهوم الشرطة المجتمعية، وتحدث عن حقوق الإنسان في نهر البارد، مع ميل لمفهوم الأمن الإنساني. وكل ذلك عدا عن مشاريع أمنية عند أجهزة بدات ملامحها تظهر في مخيمات أخرى أيضا.

الصورة معقدة. برأي البعض لا حاجة للحديث عن مشاريع دولية متصارعة، فيكفي النفوذ المباشر على سياسيين، والصراعات الداخلية والطائفية. كان لافتا أن وزير المالية محمد شطح قد صرح على تلفزيون إل بي سي الشهر الماضي بأنه كان ضد إعمار مخيم نهر البارد. وحاول الجنرال عون من جهة أخرى إيقاف العملية بلا نجاح حتى الآن. وتبيّن مؤخرا أن جمعية إنماء المحسوبة على تيار “المستقبل” كانت قد قدمت مذكرة رأي إلى مجلس شروى الدولة لوقف إعمار نهر البارد. لقد بدأ التناقض حول ملف إعمار البارد داخل الحكومة والقوى السياسية يخرج إلى العلن. ولا يملك سكان نهر البارد، المشردون خارج بيوتهم، والذين يتحركون منذ أكثر من شهرين في إعتصامات متتالية، إلا أن يستمروا في تيقظهم مع وضع أياديهم على قلوبهم.

حل للأزمة وحوار بلا نماذج مسبقة

أظهر الواقع في نهر البارد بأن هناك حراكا كبيرا في المخيم، كما أظهرت مداخلة اسماعيل الشيخ حسن، سواء عبر لجأن الأحياء أو المنظمات المدنية أو اللجنة الشعبية والمستوى السياسي، بل ومال إلى الحديث عن تجارب جمعية القلب المفتوح مثلا، وبأن المجتمع يملك حيوية وتنوعا في المبادرة. وقد أثبت المجتمع المحلي بأنه قادر على تخطيط المخيم وبعملية تشاركية، وهو أكفأ من الحكومة في ذلك بكثير وقد ساهمت بدورها في تبني العملية التشاركية، بينما لا تكف إدارات في الحكومة عن وضع العراقيل واحدة تلو الآخرى في عملية الإعمار المهددة دوما بالتوقف. وبينما كان المؤتمر يسير، كانت عملية الإعمار متوقفة بالكامل منذ شهرين ونصف الشهر.

وأمام الممارسات الأمنية التي لا تحصى في نهر البارد، من سرقة وحرق بيوت بعد الحرب، إلى حالات التعذيب الكبيرة، إلى قتل أكثر من 45 مدنيا خلال الحرب، إلى قتل متظاهريين إثنين أثناء الحرب، إلى منع الناس من أخذ ممتلكاتها والعودة إلى منازلها، إلى فرض تصريح أمني لدخول منطقة مدنية- وكل ما سبق جرى توثيقه من قبل المنظمات الحقوقية الدولية- إلى التوقيفات الأمنية التي تطال حرية التعبير بشكل جدّي في المخيم وكل أسبوع وبشكل يخالف القانون، إلى منع الإعلام من دخول المخيم بحرية، يمكن فهم مدى التخوف من عودة ممارسات “المكتب الثاني” إلى المخيم التي عبّر عنها عدّة متحدثون.

أمام تلك الممارسات الأمنية، أثبت المجتمع المحلي بأنه يملك مبادرات مدنية غنية حتى في الاعتصام والتحرك، وفي حل خلافات لا تحصى حول الملكية وتحكيم مساحات البيوت، “ومن دون ضربة كف” كما يردد كثيرون في نهر البارد. لكن الحكومة ما زالت مترددة في الحوار الفعلي والتشارك مع هذه المبادرات حول الحكم المحلي في المخيم مثلما جرى مثلا في عملية إعادة الإعمار.

عمليا تحكي تجربة نهر البارد منذ عامين ما يعتبره البعض “سقوطا أخلاقيا” لنموذج الدولة سواء في العراقيل التي وضعت في وجه الإعمار، على الرغم من مبادرات مختلفة داخل الحكومة ظلت تدفع باتجاه الإعمار، أو في التعامل الإنساني والأمني. فكيف يمكن لهذا السقوط أن يتحدث بنشوة عن “نموذج” يعمم في المخيمات الأخرى؟

ظهر بوضوح بأن المطلوب هو عودة الإعمار، والقيام جديا بحوار فعلي يظهر أن جميع الأطراف الفلسطينية مستعدة له ومنادية به، وإسقاط “النماذج” التي لا علاقة لها لا بخصوصية المخيم ولا بالسياق اللبناني ولا بالسيادة الوطنية واحترام الحقوق والواجبات.

One Response to “تحليل إخباري (الحلقة الثانية)- هل هناك نموذج في مخيم نهر البارد للمخيمات الأخرى في لبنان؟”

  1. Benjamin Geer Says:

    أدعوكم إلى قراءة ملخص لمقالة علمية عن الزواج بين لبنانيين ولاجئين فلسطينيين.‏

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: