تحليل إخباري- هل هناك نموذج في مخيم نهر البارد للمخيمات الأخرى في لبنان؟ الحلقة 1

albaridتحليل إخباري

هل هناك نموذج في مخيم نهر البارد للمخيمات الأخرى في لبنان؟

الجانبان الرسميان اللبناني والفلسطيني (الحلقة الأولى)

 

“البارد”- فريق تحرير بيروت

تحدثت الحكومة اللبنانية عن “نموذج” في مخيم نهر البارد ليعمم على بقية المخيمات الفلسطينية في لبنان. بينما تردد نقد من جانب جهات فلسطينية بالتعامل مع نهر البارد كنموذج أو “حقل تجارب”، أو أن جهات أخرى بما فيها أكاديمية تتحدث عن “نموذج مختلف” عن ذاك الذي تدعو إليه الحكومة. من خلال مؤتمر أكاديمي، وعلى هامشه، قام فريق تحرير مدوّنة “البارد” بالسير مع الحوارات عن وجود نموذج في نهر البارد، وأين وصل إن كان موجودا، أم أن المطالبات الآن هي في مكان آخر؟

 الجانب الرسمي اللبناني

تحدث الجانب الرسمي اللبناني بوضوح عن وجود نموذج، وإن ما زال عير مُحدد المعالم بالكامل. وهو ما ذكر في “وثيقة فيينا” للدول المانحة في العام 2007. تحدث السفير خليل مكاوي رئيس “لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني”، التابعة للحكومة، أمس السبت 31 تشرين الأول/أكتوبر عن “سيادة الدولة اللبنانية بالتعاون: مخيم نهر البارد نموذجا”. وقال في مؤتمر أكاديمي عقد في الجامعة الأميركية في بيروت بأن “السيادة تعني احترام الدولة لحقوق مواطنيها والمقيمين على أرضها، وبالمقابل احترام هؤلاء لأسس النظام ومبادئ الاستقرار…في مخيم نهر البارد سينطلق نموذج في إنقاذ هاتين القناعتين…على أن التواصل اليومي والتفصيلي قائم بين الحكومة اللبنانية ومرجعيات اللاجئين الفلسطينيين في المخيم لترسيخ هذا النموذج أقله على مستوى الاختبار”. 

أشار حديث مكاوي إلى أن هناك نموذجا تفكر به الحكومة الللبنانية “أقله على مستوى الاختبار”.

شرح مكاوي هذا النموذج بأنه “السيادة اللبنانية” و”الحقوق” و”احتكار الدولة السلاح” و”تنفيذ قرارت هيئة الحوار الوطني” و”إدارة المخيمات شأن فلسطيني بامتياز مع الأونروا”. وقد استفاض مكاوي في الحديث عن البعد الأمني واحتكار السلاح وأولوية القانون، من دون أن يشرح الحقوق الفلسطينية في المخيم أو خارجه، وسط مطالبات حقوقية حول مروحة واسعة من القوانين التي تميّز ضد حقوق الفلسطينيين في لبنان.

ومع افتقاد أي حديث عن الحقوق، ردد مكاوي في المؤتمر تصريحات سابقة عن مبادرة تحسين المخيمات، أي على مستوى الخدمات والبنية التحتية. وهي مبادرة كانت قد اطلقتها “الأونروا” بالأصل في كل من مخيمات الأردن وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة.

في مداخلة أخرى لنديم شحادة المستشار في “لجنة الحوار” في المؤتمر ذاته، سألته منى البديري المسؤولة في مبادرة تحسين المخيمات في “الأونروا” ومقرها عمّان، بأنها لم تسمع كلمة واحدة عن “حقوق” فلسطينية. وفي ردّ شحادة، تجاهل فحوى السؤال وذكر الحقوق. بل أن شحادة تساءل عن دور الدولة إذا كانت البلديات حاضرة على مستوى الخدمات مثل بلدية الغبيري التي ابتدأت تنفيذ بعض مشاريع تحديث البنية التحتية منذ سنوات في مخيم شاتيلا. فسألته حينها  لينا بكداشي، وهي بنفسها موظفة في “لجنة الحوار”، عن توضيح ما يعنيه، فهل يقصد خدمات أم واجبات الدولة والحقوق؟

في الجانب الأمني، تحدث مكاوي في المؤتمر بأن “لجنة الحوار” قد أطلقت “والإخوة الفلسطينيين حوارا هادفا حول مفهومي ’الأمان الإنساني‘ و’الشرطة المجتمعية‘ في مخيم نهر البارد”. أما شحادة فتحدث عن “مبادرة الشرطة المجتمعية وصولا إلى الأمن الإنساني”. 

الجديد المعلن في الموقف الرسمي اللبناني هو الإقرار بالحقوق، ولكن من دون إعلان أي التزام بها أو طريقة لذلك، في تعريف السيادة القائمة على عقد إجتماعي بين حقوق وواجبات. كما أن فيه جديدا بأن “إدارة المخيمات شأن فلسطيني بامتياز مع الأونروا” بحسب مكاوي. فقد حدث فراغ في الإعتراف باللجان الشعبية الذي أقرّ دورها إتفاق القاهرة للعام 1969، ولكن البرلمان اللبناني ألغاه في العام 1987 من جانب واحد ومن دون إكتمال التصديق على إلغائه في الإجراءات الرسمية. وأقرّ إعتراف مكّاوي باللجنة الشعبية بالمخيم على أن يترك للفلسطينيين موضوع تحديثها، ومشاركتها بـ”صوغ شبكة أمان مجتمعية بالتنسيق مع الشرطة اللبنانية”، أي الإقرار بدور أمني- إجتماعي للمجتمع المحلي في المخيم، وبالتنسيق مع الشرطة اللبنانية. وهو أمر قائم منذ زمن بعيد ولكن من دون إقرار رسمي علني حوله. وأخيرا، فإن التشديد على “ابتكار حلول” بالتشارك مع الجانب الفلسطيني عدّه البعض أمرا جديدا، فيما اعتبره البعض الآخر “أدبيات من دون فعل”. 

 الجانب الرسمي الفلسطيني

مرّت أربعة أعوام على تعيين عباس زكي سفيرا فلسطينيا في لبنان قبل مغادرته الشهر الماضي. وكان زكي قد ابتدأ عمله كأول سفير فلسطيني في لبنان بما عُرف بـ”إعلان فلسطين في لبنان”. قال إدوارد كتّورة ممثل سفارة فلسطين في لبنان، الذي تحدّث في مؤتمر “الحكم المحلي في مخيمات المشرق العربي” في الجامعة الأميركية، بأن “إعلان فلسطين كان موقفا مجانيا. لم يستثمره الجانب اللبناني إلا إعلاميا وفي النقطة الأولى التي قدّمت اعتذارا للشعب اللبناني عن الدور الفلسطيني في الحرب اللبنانية. ولكن الدعوة إلى حوار جدّي لم يُلتفت إليها”. وتحدث عن تجربة شخصية في الحوار مع الدولة اللبنانية حول ترميم البيوت في المنطقة المحاذية للمخيم القديم في نهر البارد. فبعد أربع جلسات حوار مع المكتب الاستشاري الذي يرأسه ساطع الأرناؤوط والإتفاق على وجود مهندس فلسطيني ضمن الوحدة المتفق عليها، “أبلغنا بأنه لا يمكن توظيف مهندس فلسطيني بسبب القانون، بينما وظفوا مهندسا بلجيكيا مسؤولا عن الوحدة!”.

وعدا عن الأدبيات الإيجابية بحق الفلسطينيين في لبنان مع تشكل “لجنة الحوار” في العام 2005، ببدء الإنتقال من النظرة إلى الفلسطيني أمنيا إلى نظرة إنسانية وسياسية في الأدبيات، فإن شيئا لم يتغير على أرض الواقع حتى في قضية الأوراق الثبوتية، بحسب كتّورة.

أوضح كتّورة بأن ليس هناك إطار قانوني أو سياسي بعد إلغاء إتفاق القاهرة لعام 1969. وهو رأي مشابه لرأي سهيل الناطور، من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الذي تساءل عن تعريف قانوني للفلسطيني: هل هو لاجئ أم أجنبي؟ وهو ما عبّرت عنه سميرة طراد، من جمعية روّاد اللبنانية، واصفة السياسة اللبنانية تجاه اللاجئين الفلسطينيين بـ”سياسة النكران”، وبأن لبنان يقول بنفسه بأنه ليس بلد لجوء.

لم يأت كتّورة على ذكر أي نموذج في نهر البارد. بل تحدّث بأن الموقف الرسمي الفلسطيني قدّم غطاء للجانب اللبناني في معركة الجيش اللبناني ضد “فتح الإسلام”. وبالمقابل، جرى التعامل مع الفلسطيني على أنه قد خسر الحرب. وختم قوله “منذ فترة، كان الموقف الفلسطيني واضحا بانتقال ساحة الصراع إلى فلسطين، وبأن لبنان لم يعد ساحة صراع. أنتم تجبرون الفلسطيني بأن يتعامل أمنيا معكم”. وطرح كتّورة رؤية عامة من دون تفاصيل حول الإتفاق على مجموع القضايا، بما فيها الحقوقي والأمني، وبما فيها حق العمل والتملك.

أما مروان عبدالعال، مسؤول ملف نهر البارد في منظمة التحرير الفلسطينية عبر لجنة المتابعة العليا التي تضم ممثلين عن كافة الفصائل الفلسطينية (وهو من نهر البارد)، فلم يأت على ذكر “النموذج”، بل قال أن “المطلوب هو أن نجد مخارج لأزمة”. وحدد المخارج “بما لا يريد الجانب الفلسطيني”، من دون التقدم بطرح عملي إلا بعمومية. وقال بأن أول ما لا يريده الفلسطيني في نهر البارد هو “عدم تكرار تجربة العام 1969”. وتحدث عن تجربة شخصية قائلا “أنا حملت البارودة في العام 1969 لأنها كانت ثورة على منطق العار، على منطق الإهانة في المخيم. بصراحة، كان همنا أن نزيل الإهانة عنا أكثر مما كان همنا تحرير فلسطين. كان ممنوع الاستماع إلى إذاعة صوت العرب. والروحة بدها إذن”.

وهو ما أكدت عليه أيضا سميرة صلاح، مسؤولة ملف اللاجئين في المجلس الوطني الفلسطيني، التي استعادت مثلا فلسطينيا “ليش بتنفخ على اللبن؟ لأنه الحليب حرقني. من كثرة ما اضطهدت قبل العام 1969، اتمردت. الفلسطيني ما بسكت على حقه.  كان ممنوع أكثر من ثلاثة أشخاص يتجمعوا في القهوة. ممنوع تقرأ الجريدة بالقهوة. ممنوع المرة تكب ميّة برّا البيت. أنا بدي حقوقي، ما بدي جنسية”. يذكر أن ما عرف حينها بـ”الثورة الفلسطينية في لبنان” قد انطلقت تحديدا من مخيم نهر البارد في العام 1969.

في الطرح العملي العام، قال عبدالعال بأن المطلوب هو “حوار جدّي…المطلوب ديالوغ وليس مونولوغ” في إشارة ضمنية إلى “لجنة الحوار” على ما يبدو. وقال بأنه بعد العام 1969 وحتى العام 1982 لم تكن هناك مشكلة في اللجان الشعبية في المخيمات، ولكن بعد ذلك حصلت مشكلة تمثيل. فالمطلوب، يتابع عبدالعال، هو وجود مرجعية فلسطينية ومعترف بها من قبل الدولة، والإعتراف بمرجعية اللجنة الشعبية في المخيم، وإعتراف اللجنة الشعبية بضرورة تمثيل الناس.

في ردّ ضمني على أستاذ علم الإجتماع في الجامعة الأميركية ساري حنفي، ومدير برنامج المخيمات الفلسطينية في معهد عصام فارس في الجامعة، قال عبدالعال بأن هناك خصوصية فلسطينية لشعب تشرد عن أرضه ويعيش في مخيمات في الشتات في ظروف تهميش، فإذن هناك استثناء عن كل شعوب العالم، وليس عليّ إنكار الاستثناء. المشكلة ليست في تطبيق القانون اللبناني في المخيمات، يتابع عبدالعال، ولكن في الاستنساب في تطبيق القوانين حيث يطبق بعضها ويستثنى الفلسطينيون من أخرى، بحسب رأيه.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: