تقرير إخباري- أطفال نهر البارد يستحضرون ’أبو جودت‘ رئيس مخفر باب الحارة

 هواجس المخيم بعيون أطفاله

 أطفال مخيم نهر البارد يستحضرون ’أبو جودت‘ رئيس مخفر باب الحارة

 

news1.539855

AFP-طفلة تحمل بيتا مصنوعا من كرتون أثناء اعتصام بيروت

“البارد”– يتوجه أطفال فلسطينيون بدراجاتهم الهوائية، بشكل شبه يومي، إلى المخفر المشيّد حديثا في مخيم نهر البارد شمال لبنان. وينادون بصوت مرتفع على ’أبو جودت‘، مع تعليقات فكاهية مستوحاة من مسلسل “باب الحارة” السوري الذي لاقى شيوعا في لبنان والدول العربية. فقد استحضرت أذهان الأطفال تشابه أسمي رئيسي المخفرين، في المسلسل والواقع، مع ما يعبّرون عنه بشكل طفولي عن هواجسهم ومخاوف أهاليهم من الخطط االرسمية الأمنية المستجدة في نهر البارد بعد عامين من إنتهاء الحرب.

 يضطر الأطفال، فوق الثالثة عشر من العمر، إلى حمل تصاريح صادرة عن مخابرات الجيش اللبناني لكي يتمكنوا من دخول المخيم الجديد. ويخضعون للتفتيش مثل الكبار عند مداخل المخيم. ومؤخرا، بات الأطفال يتعاملون مع كل من عناصر الجيش اللبناني والأمن الداخلي.

دعا الجيش اللبناني قبل شهر تقريبا اللجنة الشعبية لمخيم نهر البارد وفعاليات أخرى لإبلاغهم بتغييرات في السياسة الأمنية، حيث يبدأ الأمن الداخلي اللبناني بمشاركة الجيش اللبناني المسؤولية في المخيم، على ما نقل عن الإجتماع. ولوحظ عدم حضور مروان عبدالعال للإجتماع ، وهو المسؤول السياسي عن ملف نهر البارد في منظمة التحرير الفلسطينية. يذكر أن مؤسسات الدولة اللبنانية الحاضرة في المخيم يقتصرحضورها الفعلي على المستوى الأمني.

 بدأ مؤخرا التحضير لإقامة مخفر للأمن الداخلي اللبناني في ما صار يعرف بالمخيم الجديد، يبعد نحو خمسمئة متر فقط عن مخفر العبدة المحاذي للمخيم. على إثرها، خُففت بعض الإجراءات الأمنية حول مخيم نهر البارد، حيث صار مسموحا للبنانيين الدخول إلى المخيم عبر مدخل “العبدة” من دون إبراز تصاريح مرور من مخابرات الجيش اللبناني، كما كانت العادة سابقا بعد الحرب. ولقي الإجراء الجديد استحسانا عند بعض أهالي المخيم، فيما أثار البعض تساؤلات عن “التمييز بحق الفلسطينيين حتى في هذا الإجراء”. وكانت قد عبّرت مواقف القوى السياسية والمدنية في مخيم نهر البارد تكرارا عن رفضها لما اعتبرته سياسة “العقاب الجماعي” و”التعامل الأمني مع سكان المخيم”.

 جاء هذا التحرك العفوي للأطفال بعد أسبوعين من حضور آخر للأطفال، ولكن بشكل منظم، في إعتصام دعت إليه “هيئة المناصرة الأهلية لمخيم نهر البارد”، التي تشكلت قبل عام وتضم الآن أكثر من ثلاثين جمعية فلسطينية من المخيم. في الإعتصام الذي أقيم في وسط بيروت للمطالبة بـ”بدء الإعمار الآن” بعد توقيف الإعمار مدّة شهرين بسبب اكتشاف آثار أسفل المخيم القديم، حضّر الأطفال بدورهم للإعتصام عبر صناعة بيوت من الكرتون التي لونوها. وعلقها معتصمون على صدورهم للإشارة إلى أنهم ما زالوا يحملون بيوتهم التي لم يبدأ إعمار أساس أي منها بعد عامين من إنتهاء الحرب بين الجيش اللبناني وتنظيم “فتح الإسلام” في أيلول العام 2007.

 عكست البيوت المصنوعة في الإعتصام أحلام الأطفال جنبا إلى جنب ثقل واقعهم. ظهرت بعض البيوت “حديثة” أو زاهية الألوان، بينما كانت بيوت أخرى مطلية بالأسود ومغلقة تماما.

 يتحدث مصممو إعادة إعمار المخيم عن مساحات للأطفال في تصميم المخيم عند إعادة إعماره. ازدادت المساحات في أزقة المخيم في التصاميم الجديدة على الرغم من تقلص مساحات معظم البيوت التي كان أكثر من نصفها لا يزيد بالأصل عن غرفة أو غرفتين قبل الحرب. وفي غرفة لمخططي ومهندسي إعادة الإعمار لنهر البارد تجد أوراقا من دفتر رسم معلقةعلى الحائظ، وقد أكلت النيران من بعض حوافها. دفتر الرسم للأطفال يحمل عنوان “تخطيط” لصفوف الروضة، وفيها رسم لطفل وحمامة كتب أعلاها “طريق الطفل للوصول إلى الحمامة”. وقد وجد الدفتر تحت ركام بيت من البيوت المدمرة في المنطقة المحاذية للمخيم القديم.

 منذ عامين، يعيش الأطفال بعيدا عن بيوتهم وحاراتهم في المخيم القديم. ولم يتمكن الأطفال أو أهاليهم من إنتزاع ذكرياتهم أو لعبهم من بيوتهم القديمة إلا سريعا، حيث سُمح لهم بعد الحرب بتفقد البيوت لمدة تقل عن ساعة قبل التوقيع على ورقة باستلام أغراض البيت. ولم يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم منذ عامين، ثم جرى جرفها بالكامل قبل الشروع بإعادة بنائها. ويتوزع كثير منهم حاليا على “بركسات حديدية” أثارت الكثير من الضجة حول ظروف المعيشة فيها حيث يكتظ الأهل والأبناء في غرفة ضيقة، وبلا خدمات جيّدة، على الرغم من أجراء تحسينات متتالية فيها.

يردد اليوم أطفال الدراجات الهوائية في نهر البارد مقاطع من مسلسل “باب الحارة”. قد يكون أبو جودت في ذهن الأطفال مرتبطا بملاحقته الأطفال في المسلسل حيث جلد الطفل مصطفى بسبب حمله لمليّن العجين الذي وصفه بأنه “سلاح فعال وقاتل”. ويهدد في المسلسل بسجن الأطفال ومحاكمتهم بتهمة “معاداة السلطات” إذا ما حملوا مثل هذه الأدوات.

displaced_NahrBared_01

Source: http://www.un.org- يوسف أبو راضي (12 عاما) مصابا بعد قتل أمه قنصا أثناء النزوح خلال الحرب

 أما في الواقع، يتحدث سليم، 40 عاما، من مخيم نهر البارد عن حالة استدعائه للمخفر الجديد بسبب اتهام ابنه بكسر زجاج. وعندما أحضر ابنه إلى المخفر، فوجئ الضابط المسؤول بصغر سنه، وسأله باستغراب: “هذا هو من كسر الزجاج؟!”، فأجابه الأب: “اسأل من كتب التقرير”. ويصف سليم الضابط بأنه متعاون، على خلاف أبو جودت الممثل في باب الحارة، وبأنه يستنجد بنا لكي “نزيح همّ الأطفال عنه”، قاصدا أطفال الدراجات الهوائية. ويقول سليم بأن الأطفال اكتشفوا اللعبة بأنفسهم وباتوا الآن يحاولون ثنيهم عن هذه اللعبة الجديدة.

 يقول زيدان، 40 عاما، بأنه “إما بناء جيل جديد، أو دفعهم لأن يكونوا خارجين عن القانون”. وهو يتقاطع ورأيين آخرين. تقول ندى، 28 عاما، بأنها لاحظت على أطفال إخوتها تحولهم ليصيروا أكثر عنفا، و”صاروا البنات يشبهوا الأولاد” بحسب تعبيرها. وهو ما يؤكده أبو خالد، 50 عاما، حيث يقول بأن الأطفال باتوا “شرسين ومكتئبين أكثر منا”. وقد بدا ظاهرا في أيام رمضان وعيد الفطر الماضيين كيف يسيطر الأطفال على الأزقة وتصبح أصوات ألعاب المفرقعات النارية والبنادق أمرا لا يُمكن تحمله بالنسبة للأهل والسكان.

 من مكان آخر، يصف أحمد، 45 عاما، حال أطفاله البنات عند الوصول إلى حاجز المخيم بالقول “تتغير وجوههن. يقتربن من بعضهن البعض، ويصمتن”.

 بدوره، يدافع الموقف الرسمي اللبناني عن الإجراءات الأمنية في مخيم نهر البارد بعد الحرب واصفا إياها بالـ”الأمانية” والتي “تحفظ السيادة اللبنانية”، كما عبّر تكرارا مسؤولون في لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التابعة للحكومة اللبنانية. وتسعى الحكومة إلى إدخال مخفر وسط المخيم القديم إضافة إلى مخفر آخر في المخيم الجديد. كما تسعى الحكومة إلى تشكيل “شرطة مجتمعية”، بتدريب وتمويل من الولايات المتحدة الأميركية، حيث تتبع للأمن الداخلي اللبناني، كما إلى إنشاء قاعدتين بحرية وبريّة.

 عبّر سكان وفعاليات من نهر البارد عن اعتراضهم بشكل متفرق على مثل هذه الخطط في أكثر من مناسبة. وفي آخر إعتصام لهم، تحدث الدعوة عن تسهيل السكان مهمة الجيش اللبناني في حربه ضد “فتح الإسلام”، وقد اعتبروا رسميا “شركاء في النصر”، ثم فوجئوا في كيفية التعامل معهم بعد الحرب. وعبّرت “اللجنة الشعبية” عن اعتراضاتها للمسؤولين اللبنانيين. ومن جانب المجتمع المدني الفلسطيني، تحدثت “هيئة المناصرة” عن رفض تقييد حرية الحركة ومبدأ “الشرطة المجتمعية الذي يحوّل شبابنا إلى مخبرين”، كما رفضت وضع مخفر في وسط المخيم. وطالبت حينها بحوار فعلي مع الجانب الفلسطيني.

18190

حنظلة

وابتدأت “لجنة المتابعة العليا لإعمار نهر البارد”، التي تضم الفصائل المختلفة والمنقسمة فلسطينيا، سلسلة من المشاورات حول “إدارة المخيم”، ابتدأت فيها الأسبوع الماضي على المستوى المركزي السياسي في بيروت، ثم مع مؤسسات “هيئة المناصرة” المدنية. ورشح عن إجتماع الفصائل المختلفة إجماع على رفض وضع مخفر وسط المخيم مقابل الدعوة إلى التنسيق حول موقع المخفر في المخيم الجديد الذي لا يبعد كثيرا عن المخفر في بلدة العبدة المحاذية. وعبرت عن رفض التعامل مع الفلسطينيين على أساس أمني، وبأن السيادة اللبنانية لا بدّ أن تكون مبنية على حقوق وواجبات، وليس على أساس التمييز. ودعت إلى التعامل مع المخيم على أساس بلدية مؤقتة، والتنسيق حول حفظ الأمن بشكل محلي. وفي إجتماع “لجنة المتابعة” مع المؤسسات المدنية، جرى نقاش فلسطيني داخلي، على مثل هذا المستوى من العلنية لأول مرّة في نهر البارد، في بداية الأسبوع الحالي حول ضرورة تطوير اللجنة الشعبية وإدارة المخيم على اسس مشاركة المجتمع المحلي والمؤسسات المدنية والمستوى السياسي، وبشكل تمثيلي.

 أما الأطفال، فقد باتوا مطلبا عاما في المخيم من كل الجهات التي تناقش موضوع إدارة المخيم والأمن. في واحدة من هذه المطالب، عبرّ مؤتمر صحافي عقد في مخيم البداوي في الثالث من أيلول الماضي، من تنظيم “هيئة المناصرة الأهلية”، عن “ترهيب أطفال المدارس في الباصات عند مدخل المخيم، حيث رفعت البنادق بوجوههم في الباص، واحتجز الأطفال لساعات” بحسب ما جاء في المؤتمر. بينما  وقع أهالي نهر البارد على عريضة في كانون الثاني 2009 احتجوا فيها على الخطط الرسمية الأمنية وعلى إقامة قاعدة عسكرية وسط تجمع مدني وإلى جانب مدرسة للتلاميذ.

 يبدو الأطفال أكثر براءة من كل هذه النقاشات الساخنة، والكلمات الكبيرة، والنماذج المتصارعة في نهر البارد بين المستوى الرسمي اللبناني والجانب الفلسطيني. لكنهم في الواقع المعاش بدأوا المشاركة بأنفسهم وبطرقهم الخاصة.. وهي طرق تظلّ أقل حدّة، في أسوأ الأحوال، من صراعات الكبار. يوم اشتاق التلاميذ لمخيمهم القديم في ذكرى مرور عام على انتهاء المعارك، خرجوا بزيّهم من المدارس يركضون من دون تفكير نحو حدود المخيم القديم الممنوعين منه. حينها احتار الكبار، سواء جنود الجيش اللبناني الذين لم يعلموا كيف يتصرفون معهم، بل وغض بعضهم النظر، أو أهاليهم وسكان المخيم الذين هرعوا لإعادتهم لئلا تتطور الأمور.

 يذكر ذلك بولادة “حنظلة” في كاريكاتور ناجي العلي.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: