إنطباع: في إنتظار.. قرار مجلس شورى الدولة، ثم في إنتظار

في إنتظار.. قرار مجلس شورى الدولة، ثم في إنتظار..

عمرو سعدالدين*

 p20_20070814_pic2.full

في حالة إنتظار…

مخيم بأكمله في حالة إنتظار.

الصحافة تواسي المخيم وتعيش معه حالة الإنتظار.

صدر قرار مجلس شورى الدولة، يقول مصدر واثق من نفسه. لم يصدر القرار، يقول المصدر الآخر الأشد وثوقا من نفسه. وعلى مدى أسبوع كامل، عشنا هذه الحالة والتضارب في المعلومات و”الأجواء الإيجابية” نقلا عن “مصادر أكيدة”. 

الجميع مشغول بالهواتف. فالوقوف في حالة انتظار أمر لا يطيقه أحد. 

وأنا كتبت لأني لم أطق مثل هكذا إنتظار.

شغلنا أنفسنا على مدى شهرين نخطط ونتواصل ونعتصم ونحكي تلفونات لا تنتهي، لئلا ننتظر. ونعبئ يومنا بما لا نحتمل من المهام، أظن ليس لتحقيق الهدف فحسب، ولكن لئلا نستسلم إلى حالة الإنتظار..

إنتظار قرار علاقة، إنتظار قرار موافقة، إنتظار الشيك أن يصدر، إنتظار قرارات لا تنتهي. وأم كلثوم تغني: أنا بانتظارك ملّيت.

الإنتظار بات ثقافة عامة وشخصية، ثقافة فلسطينة وعربية. أما صموئيل بيكيت فيقترح بأنها ثقافة عالمية بانتظار غودو.

منذ العام 1948، إنتظر الفلسطينون أن تصل الأوامر إلى الجيوش العربية. وإن كان الحال “ماكو أوامر”، فالهزيمة تنتظرهم. ثم إنتظروا تنفيذ قرار عودتهم “خلال أسابيع”. ثم إنتظروا في بنت جبيل وصول باصات لتأخذهم إلى مكان مجهول. أخذت سكان نهر البارد لاحقا إلى القرعون. يوميا كانوا في إنتظار مركبات الصليب الأحمر لتنقل الغذاء لهم عبر طريق ضهر البيدر. لم يكن هنالك معلبات وكالات الإغاثة الدولية حينها التي اعتادوا عليها لاحقا. وإن انقطعت الطريق، فالجوع الحرفي ينتظرهم في أرض فارغة. كانوا يموتون بردا وجوعا. هكذا يستذكر أبناء آباء تلك الأيام. ببساطة، عندما يذوب الثلج، تنبلج جثة وقعت ضعفا وجوعا.

“أنتم في إنتظار أن تنقلوا إلى مكان آخر أفضل”. وصلت باصات جديدة لتنقلهم إلى نهر البارد، وشيّدت الخيم.

إنتظروا وصول الإعاشة. وستصل حجارة ومواد بناء أولية. انتظروا وستتحسن حياتكم. لم يطيقوا الإنتظار. حفروا الأرض وأخرجوا حجارة ليبنوا أسوارا صغيرة هي بداية بيت، وكان بعضها أثريا..

ومرّت أيام إنتظار العودة، و”المخيم مكان إقامتك المؤقت فحافظ على نظافته”، ثم الدخول في “الواقعية” كما نسمع كثيرا هذه الأيام، مثل إنتظار أوامر “المكتب الثاني” بالإذن لك من المغادرة في الساعة الثامنة والعودة عند الساعة السادسة مساء إلى المخيم. لم يطق الفلسطينيون طبعا هذه الحالة، حالة الإنتظار الطويلة، وإنتظار الأوامر، التي تنتهي مرّة جديدة بهزيمة العام 1967. ونبشوا الأرض في النهاية وأخرجوا بنادقهم الأثرية أينما وجدوا في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان. ودخل الجميع في متاهات حروب أهلية إنتظر الجميع انتهائها.

لك خياران: إما إنتظار الموت بطيئا، وإما التمرد ومواجهة الموت سريعا. هذا ما حصل ذات يوم من أيام حرب نهر البارد. خرج شبان نازحون في مخيم البداوي في مسيرة عفوية مطالبين بالعودة. افترشوا الأرض على مسافة من حاجز الجيش، فقتل شابان منهم بدم بارد.  

اللبنانيون ليسوا أفضل من الفلسطينيين. اليوم الجميع في إنتظار تشكيل الحكومة. يوميا، تشغل مانشيتيات الصحف نفسها بأخبار تُظهرها جديدة ربما لأنها لا تطيق حالة الإنتظار هذه. والقرّاء بدورهم يقرأون يوميا آخر أخبار الإنتظار. ومنذ العام 1860 هم في حالة إنتظار كل خمسة عشر عاما تقريبا، في إنتظار حرب ثم إنتظار سلم ثم حرب ثم..

باتت القواسم المشتركة بين اللبنانيين والفلسطينيين تتزايد، وبات الشعبان ينتظران أوامر وانفراجات وتسويات إقليمية ودولية.

وانتظر الجميع- بلا استثناء- تنظيم “فتح الإسلام” وهم يتدربون في الهواء الطلق. الجميع ينتظر و”فتح الإسلام” ينتظر. ملّ أحدهم الإنتظار، فتحرك، فجاء الموت. ثم كان على النازحين الجدد إنتظار إنتهاء الحرب للعودة إلى منازلهم. وجاءتهم الوعود بالإنتظار والعودة المؤكدة. وعند مشارف إنتهاء الحرب، جاء من يقول لهم بأن تتنتظروا أسبوعين أو ثلاثة حتى نزع الألغام. وامتد الإنتظار عامين كاملين من دون العودة ولا بناء أي بيت.

على مدى عامين، تصل السيارة إلى مدخل نهر البارد. تنتظر تفتيشها بالجهاز اللاسلكي. السيارات الأخرى تنتظر خلفها. يترجل الركّاب. يتجهون إلى التفتيش الراجل. ينتظرون في صف، ثم يعودون إلى السيارة. ويعودون في اليوم التالي إلى حالة الإنتظار.

 سوف تسّلم منظقة ” بي برايم” المحاذية للمخيم قريبا. سلّمت في منتصف العام 2009. وسوف تليها بفترة وجيزة منطقة “إي برايم”. وسلمت في أيلول العام 2009. وسوف تليها “إ برايم”. لم تسلم حتى الآن.

منذ بداية العام 2009، وصلت نقود منحة دولية لترميم بيوت “البرايمات”. حتى الآن، يتساءل الناس متى تبدأ أعمال الترميم.

على مدى عامين، كان الناس ينتظرون قرار حكوميا تلو الآخر بالتصديق فعليا على بناء المخيم. تتأجل الجلسة، فينتظرون الأسبوع التالي. تتأجل الجلسة مجددا، فينتظرون الأسبوع التالي. بكى أناس- ربما من هول المفاجأة- عندما صدر قرار المصادقة على المخطط التوجيهي في نيسان العام 2009.

بدأ العمل في المخيم القديم وسط المفاجأة التي تلقاها الناس بالبدء بالإعمار وعدم الإنتظار. لم يصدقوا أنهم خرجوا من حالة الإنتظار. ثم اطمأن الجميع بأن الأمور اعتيادية عندما تلا ذلك بسرعة صدور قرار مجلس شورى الدولة بالإنتظار.. ولكن لمدة شهرين، أي من 18 آب وحتى 17 تشرين الأول. فترة زمنية محددة وواضحة يُفترض أن يتخذ المجلس قراره إثرها.

مرّ أسبوع على الموعد الذي أشيع بأن المجلس سوف ينعقد فيه، وكل يوم ينتظر أهل المخيم والصحافة خبرا حول إنعقاد المجلس. لا أحد يعلم إن كان المجلس قد انعقد أم لا. “الأجواء إيجابية” والجميع في إنتظار..

ثم جاء الخبر الذي لا تعرف كيف تتعامل معه، أتصدقه أم تشكك به أم تتجاهله، وهو إعلان بدء العمل. وتنافس الفاعلون في المخيم حول من يُعلن بداية عن قرار بدء العمل. وسارت مواكب سيّارة ابتهاجا، وأرسلت “مسيجات” على الهواتف المحمولة، وصرح مسؤولون، ولا بدّ أن الإبتهاج يعمّ. لكن هناك من قال لي بأنه وجد نفسه غريبا أمام بهجة الجميع، فهو لا يشاركهم البهجة، فهو قد أدمن على ما يبدو حالة إنتظار..

بعد يوم واحد من الإعلانات عن بدء الإعمار، بدأت مرحلة إنتظار جديدة. فقرار المباشرة بالعملية ينتظر تصديقا من مديرية الآثار، التي أجلت إجتماعا من يوم الجمعة إلى الثلاثاء، ثم اعتذر المسؤول، وتأجل مجددا إلى يوم الجمعة في 30 تشرين الأول المقبل. الجميع يتنبأ بعراقيل على الأرض متعلقة بالآثار. 

على الأرض، ليس هناك من عمل يُذكر. شوهدت آلية تتحرك، وشوهد عمّال يرصون تربة بضجر. وشوهد عمال ينامون في خيمة قبيل الظهيرة.

يذكر أن قرار مجلس شورى الدولة لم يصدر .. قرار معلق. وصرح قاضي في مجلس شورى الدولة بأن الملف ما زال مفتوحا.

القرار من فوقكم ،والآثار من تحتكم. 

الحصار هو الانتظار.. هو الانتظار على سلم مائل وسط العاصفة.. كتب محمود درويش.

يدخل شخص غاضبا إلى مكتب المخططين. يتحدث عن آخر العراقيل الحكومية هذا الأسبوع في مناطق مختلفة من المخيم. عدم التصديق بعد على التخطيط النهائي لمنطقة المدارس. عدم التوصل إلى حل حول الجدار الداعم على حافة المخيم الذي سيرتفع في مناطق منه عشرة أمتار عن المخيم الجديد، وذلك بين شروط مديرية الآثار حول الطمر وبين شروط الجيش اللبناني حول عدم وجود تسويات أسفل البنايات. يتحدث غاضبا كما لو أنه يحثنا على أن نتحرك، أن نفعل شيئا. ننتظره ينهي حديثه، وينتظرنا أن نفعل شيئا..

 *صحافي مستقل

( الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المدونة. ترحب زاوية اأنطباع بارسال انطباعات شخصية أو عامة albaredvoice@yahoo.com)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: