إعمار البارد الآن: صيحة حق يرفعها أبناء فلسطين في ساحة الشهداء- سحر مندور

Poster A1 demonstration bared(2)

“إعمار البارد الآن”: صيحة حق يرفعها أبناء فلسطين في ساحة الشهداء

سحر مندور- “السفير”- 13 تشرين الأول 2009

mandour-Ali Alloush

علي علوش- السفير

مرت سنتان على نهاية حرب البارد  ولا يزال الإعمار الذي أعلنته الدولة اللبنانية بصيغة «المؤكد» و«المعجّل» مؤجلاً. أي عنوان هو عنوان قابل لأن يأتي في تسلسل الأهمية قبل إعمار المخيم وعودة أربعين ألف ابن آدم إلى حيواتهم. أنشأت «الأونروا» براكسات حديدية في المخيم الجديد (وهي الأرض التي توسع فيها المخيم القديم، قبل الحرب)، فأمّتها الحشرات قبل وصول الناس إليها. وما إن وصلوا، حتى راحت الأمراض تفتك بأبدانهم، صغيرة كانت أم كبيرة.
ابنة هذه السيدة المشاركة في تظاهرة المطالبة بإعادة إعمار” البارد “، في ساحة الشهداء ظهر أمس، تبلغ العاشرة من عمرها واسمها جيهان. جيهان مصابة بالالتهاب في العمود الفقري، بسبب «الثلج في الشتاء، والنار في الصيف»، حسبما تشرح الأم عن حرارة المكان الذي تجرأت هيئة دولية، بموافقة لبنانية، على إعلانه مسكناً قابلاً لاحتواء البشر.


“آثار حياتنا”
في مواجهة “آثار ميتة ومدفونة”
في ساحة الشهداء، كانوا أبناء خمسة أجيال، وربما أكثر. من الحاجة الأكبر سناً، زهرة محمد محمد (من سبلان في فلسطين، ومن نهر البارد في لبنان)، إلى الأطفال الذي لم يتعلموا بعد النطق. نور، في السادسة عشرة من عمرها، تروي بلسان الخبرة عن معنى الحياة في مدارس البداوي، ثم على أرصفته، وصولاً إلى براكسات الأمم المتحدة. لماذا تريد العودة إلى البارد؟ «فلسطين مش صايرلتنا. البارد موطننا. هو الوحيد يللي إلنا. الكل صار مِستحليه. شفت بيتي اللي من وأنا صغيرة ربيت فيه، مهدود على الأرض برمش العين. كل إشي تحت الركام، بيتنا صار كأنه ما كان موجود بيت. بس حتى لو راحت الحجارة، ذكرياتنا بتضلّ بقلب المخيم، وبدنا نرجع لها». والآثار يا نور؟ ماذا نفعل بها؟ «شعب المخيم صار له 62 سنة بيناضل تيعمل حياته، 62 سنة أهلنا عم يبنوا آثار الصمود والتضحية، كرمال الحياة. وهني رايحين يدوروا على الآثار الميتة والمدفونة من زمان؟! 62 سنة بتروح بالزبالة؟.
تصيح الحاجة زهرة، وهي تجلس بالقرب من نور: «شبابنا، بس ضربت إسرائيل منطقة العبدة، تبرعولهم بالدم. عطيوا من دمهم للجيش اللبناني. شو صار بعدين؟ قعّدونا بالبراكسات».. وتكمل سيدة أربعينية جالسة إلى جوارهما: «تمييل وسكتة قلبية وسرطانات، هيدا اللي طلعلنا من البراكسات». ثم تكمل نور: «زبالة وقرف والمرضى كتروا كتير. حشرات بتطلع بالبراكسات بحياتك ما شايفتيها. فيه حيايي وعقارب». تؤكد السيدة: «الحيّة فاتت ببنطلون جوز أختي!». تصيح الحاجة زهرة: «مطار خلدة عمّرته الفلسطينية بورقة ونص، وبورقة وربع (ليرة وربع الليرة). يزق الفلسطيني العربيّة من الأوزاعي بالتراب والبحص. إحنا شعب رايدين الكرامة وبدنا نعيش بحريتنا! ما حرام نضل هيك مشحّرين مغلوبين على أمرنا؟ والله ما دقنا طعم الفراح بلبنان!”.
تغص الحاجة في حديثها، وصوتها يعلو، يُجرح.
“لو عرفت العالم هيك
… لماتت جوا وما طلعت!”
الكرامة هي محور الاعتصام. والاعمار هو السبيل الوحيد إليها. لكن، قبل ذل انتظار الإعمار وقبل ذل العيش في براكسات، هناك حديث آخر. إنها التصاريح.
“إلغوا إلغوا التصاريح / ما بدنا ذل وتجريح”، يقول الهتاف. أما السيدة الخمسينية التي تؤازر الشبّان في هتافهم فتقول، مقاطعةً صديقتها التي كانت تصف صعوبة العيش في شتات المخيمات الأخرى وارتفاع سعر المعيشة: «لا تحكي بالمصاري والأكل والشرب، هادا كله مش مهم، المهم يشيلوا الحواجز والإهانة! محاصرينا من كل الجوانب، آخر همي الأكل والشرب، أهمّ إشي كرامتنا! هيديك اليوم، نزّلوا حاجة عمرها 75 سنة على الحاجز. شعب مسالم كنا، والله كنا مسالمين.. خمس عساكر ضربوا شاب فلسطيني، دمّوه على الأرض على الحاجز! قال شو، كيف نزل يدافع عن بنت صبية بدن ياخدوا منها جزدان إيدها الصغير، يفتشوه. قال لهم: هادا إلها، في خصوصياتها.. ضربوه!». يرتفع الهتاف: «بالروح، بالدم، نفديك يا بارد». تنصت السيدة إليه، ثم تقول: “والله منتمنى لو متنا بالمخيم ولا طلعنا على هالعيشة… لو عرفت العالم إنو هيك بدو يصير فيها، لماتت جوّا وما طلعت!”.
تتنهد صديقتها، وتقول بأسى: «إحنا بدنا نعيش الذكريات اللي الواحد خلق فيها. إحنا خلقنا هنا، منعرف هنا. إسى رجعينا على فلسطين، منرجع». أما اللافتة فتقول: “الآثار ليست أهم من أربعين ألف فلسطيني مشردين”.
كلما سألت فلسطينياً في الاعتصام عن مسقط رأسه، من باب الاستخبار عن أرض مشتهاة جداً، يجيب بسرعة: « نهر البارد ». تسأله عن فلسطين، فيتردد قليلاً قبل أن يخبر عن قريته، وعن محيطها الذي يدلّ عليها. أحدهم من البروة. هذه قرية محمود درويش؟ «آه طبعاً، قرية الشاعر». لماذا التردد؟ لأنك إذا قلت «من البروة»، يصبح مطلب عودتك إلى “البارد” محط «طعن» رسمي لبناني، وحجةً لوضعك في مكان آخر، كأنك بلا ذاكرة. «شيلوا الفلسطينية، وحطوا الفلسطينية». تقولها شابة يافعة في السابعة عشرة من عمرها، وهي ترفض رفضاً تاماً أن تكون جسماً قابلاً للنقل. هي، مثل نور، رأت النور في البارد، وعاشت حياتها فيه. تطالب بفلسطين، لكن أيضاً تريد حياتها. تريد ولو استقراراً واحداً في مهب الريح! وتطالب به بشراسة هذه المرة: «هدّو نهر البارد، يبعت لهم مرض يهد حالن!»، تقول والدتها. تكمل أخرى: «ليه فوتونا ع بلادهم، وعملوا فينا هيك؟!». سؤال ملحّ لا إجابة عليه. جريمة تمرّ يومياً بلا عقاب.
يرتفع صوت محمود درويش من مكبّر الصوت: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.
بيت بيوت
بيوت صغيرة وكبيرة، معلّقة في الرقاب أو تحمي الرؤوس من شمس الظهيرة. علب كرتون تمّ تزيينها وتلوينها لتخبر عن بيت حقيقي، ليس عنواناً في جريدة، بل مساحة عيش حقيقي. كأنهم يمنحون بيوتهم جسماً لتراه العيون وتفهم المطلب. يشرحون معنى المطلب: «إعمار البارد فوراً»، لمن يسمع فيه صدى سياسياً أو يجد فيه موضع نقاش. يقولون إن المرمي خارج بيته، بكل ما في الدنيا من ظلم، لا يناقش، بل يعود أولاً إلى بيته.
هذه الكرتونة الطويلة تحمل اسم «بناية جبر». هذه الكرتونة المربعة تخبر عن الزيتون و«البلاد»، وإلى جانبها أخرى تصيح: «نرفض حياة البراكسات!». أما تلك الطفلة فتحمل بيتاً مصنوعاً بيديها، على طريقة بيوت الباربي التي يلعب بها سواها من الأطفال. صنعته بيتاً جميلاً، «بيشبه بيتي»، ولوّنته بالزهري والأزرق السماوي، وبألوان الحلم. وبدلاً من أن تلعب به «بيت بيوت»، ها هي ترفعه أمام صدرها، وتدور به في أرجاء الاعتصام، تطالب به.
يقف بالقرب منها شاب لبناني، يرفع بيديه علم فلسطين، ويشارك في الاعتصام، أسوة بلبنانيين كثر رفضوا أن يسمّى التدمير باسمهم، وأن يلحق بهم عار البارد.
الحاجة زهرة عرفت عشرين حرباً، تقول. وتكمل: «اللي عرفته، ما حدا عرفه». تقول إنها تدور على روضات الأطفال، تخبرهم عن بلادهم. تخبرهم عن الزرع وعن الماعز وعن الاكتفاء الذاتي وعن التين: “ما منشتري إلا اللحم.. كله من الأرض، والأرض إلنا. حطّونا بالسجادة، وزتّونا بلبنان.. الله ينتقم منهم. كنا بنهر البارد متضامنين كأننا عيلة واحدة، فجأة، صار كل واحد منا بديرة. عندي 5 بنات، ما عم شوفهن. بشوفهن مرة كل شهرين. يا الله! ما خلوا لنا جنب نقلب عليه”.
يقول الهتاف الشبابي: «يا مجلس شورى الدولة / إحكم إحكم بالإعمار». ويكمل: «لا تعتيم ولا حصار / البارد إلنا شو ما صار». ويحدد: «ما بدنا مونة وكراكيب / بدنا إعمار القديم» (المخيم القديم).
“البراكس ما ربي فينا”
“خير ما نبدأ به اعتصامنا هذا يا جماعة، النشيدان اللبناني والفلسطيني، مع فرقة الكرمل”. أتى الصوت من مكبّر الصوت الموصول بمولّد الكهرباء الصغير، الذي يجاور تمثال الشهداء. أتوا به ليرفع صوت الأحياء في مواجهة الموت المفروض عليهم. تعزف الفرقة النشيد اللبناني بإيقاع جديد أكثر حيوية، وتخرج منه إلى: «فدائي يا أرضي، يا أرض الجدود / فدائي يا شعبي، يا شعب الخلود». تهجّر شباب فرقة «الكرمل» اليافعون من « البارد » إثر حرب الجيش على «فتح الإسلام». في السابق، كانوا يغنون «الرباعية». اليوم، وفي اعتصام أمس، راحوا يغنون الملف الجديد الذي أضيف إلى أغانيهم الوطنية. بات لملف « البارد » أغنية فلسطينية، صنع الظلم فيها أشقاء لبنانيون. تقول الأغنية: «يا بارد راجع تتعمر رغم الدمار / ودمانا ترخص كرمالك، لو مهما صار / شعب فلسطيني ما بيركع، لا لا ما يلين / ما هو شعب الحرية شعب فلسطين». تنصت الأذن، بينما العين تسرح مع حضور لا يحيد عن المطلب إن في هتافه أو في أحاديثه الخاصة. تعلو عبارة في الأغنية التالية، تجد مصداقيتها في فضاء الاعتراض المستمر على الوضع القائم: «نحن ربينا بالبراكس، والبراكس ما ربي فينا». يدبك الشبان الصغار. كأنهم يستفيدون من هواء طلق خرجوا إليه، لمرة، بهويتهم الفلسطينية الصريحة.. بدلاً من الخروج دائماً بالخشية من حاجز عسكري حرّ في كسر النفوس وإذلال الأبدان التي تحمل هذه الهوية: “يا حكومة وينك وينك؟ شعب البارد قدّام عينك!”.
حضرت فرقة «كتيبة 5» للراب الفلسطيني، وحاولت أداء وصلة بعد «فرقة الكرمل»، إلا أن الصعوبات التقنية حالت دون اكتمالها. فبقي صوت الناس يردد كلاماً يصف الحال، ويرفضه. صوت الناس يحكي عن قوانين المنع من العمل، ومن التملّك، ومن الإعمار، ومن… كأن الناس ينظرون إلى حالهم، ولا يصدقون أنهم أحياء ضمن شروطه.
وجّهت الدعوة للاعتصام التضامني مع أهالي البارد البارد، إثر وقف الإعمار، «هيئة المناصرة الأهلية لمخيم نهرالبارد . وشاركت في الدعوة جمعيات أهلية لبنانية وفلسطينية، من بينها «اتحاد المقعدين اللبنانيين» الذي احتل أعضاؤه ركناً من الاعتصام، وبقوا إلى آخر لحظاته، يطالبون برفع الظلم. وشارك في الاعتصام أيضاً فلسطينيو المخيمات الأخرى، بالإضافة إلى فلسطينيي البارد المشتتين إما في البدواي والبراكسات، أو في ضيافة مخيمات اللجوء أخرى.
وضمن هذا الحشد الكبير، وجدت تلك الصبية يد صديق لتتأبطها وتتجول في أرجاء الاعتصام. هي لا ترى، لكنها تبتسم. لماذا؟ لأن الصوت الذي يملأ المكان يخبر عن الحال. راضية هي عن أصوات أبناء بلدها التي لا تكلّ عن المطالبة.. ولا تنكسر تحت المنع.
رفع مكبّر الصوت نداء: «لو سمحتوا، كلنا إلى الباصات». فما كان من «الكل» إلا الالتزام بذلك. انسحبوا شيئاً فشيئاً، تاركين الساحة لأربعة عشر رجلاً بملابس فهود «قوى الأمن الداخلي». أربعة عشر رجلاً، لتطويق الاعتصام. لا بد ان الحاكم اللبناني يعرف أن هؤلاء الناس لن يخرقوا القانون. لماذا إذاً خرقه بحقهم، مرة تلو الأخرى، بلا كلل وبكثير من الاستمتاع؟
عاد أهالي” البارد” إلى… إلى أين؟ إلى بيوت ينتظرون فيها بيوتهم. إلى يوميات ينتظرون خلالها بدء أيامهم. ليست كارثة طبيعية هي تلك التي دمّرت حياة أربعين ألف ابن آدم. هو اعتداء، وهناك من سيحمل مسؤوليته، يوماً ما. بانتظار توزيع المسؤوليات: “إعمار البارد الآن!”.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: