إلى مجلس شورى الدولة: رأي مخيم نهر البارد الذي لم يُستشر في حقوقه

عمرو سعد الدين ورنا حسن*

[نُشرت مقالة في جريدة “النهار” في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2009]

 

يناقش مجلس شورى الدولة موضوع قانونية الطمر في مخيم نهر البارد الوارد في قرار مجلس الوزراء القاضي بتوثيق الآثار وحفظها عبر طمرها كما إعادة إعمار المخيم في الآن ذاته، وذلك بعد الطعن المقدم من قبل النائب ميشال عون حول قانونية هذا القرار. والحق أن رأي أهالي مخيم نهر البارد، وهم المعنيون مباشرة بالعملية، غير حاضر في هذه المعركة التي أخذت طابعا قانونيا أيضا، ولم يستشرهم أحد في مرافعاته القضائية، ولم نتمكن من الإطلاع على أي مداخلة قانونية، وبالتالي لا نعلم مدى قوة الحجج القضائية، وهل تنصف أهالي المخيم.

ولذلك فإنه من الضروري توضيح المواقف الفلسطينية التي وزنت عاطفتها بالعقل وهي تناقش موضوع الآثار في نهر البارد، والتي جهدت عبر تحركات متتالية لإيصال موقفها بهدوء إلى مجلس شورى الدولة والرأي العام. نناقش هذه المواقف مقابل الإقتراحات الأخرى المقدمة من قبل الجهة الطاعنة، وإظهار أن المقترحات البديلة للجهة الطاعنة خصوصا في نقطة محددة، وهي نقل سكان بعض الأحياء في حال وجود آثار “هامة”، لا ينسجم مع القانون الإنساني الدولي حول حقوق السكن أو مبدأ تناسب الحقوق- بين حقي الآثار والإعمار- في ما يتعلق بالسكن الملائم في سياق المخيم، ولا مع ما دعت إليه بيانات للجهة الطاعنة مؤخرا التي أكدت عن حق على حفظ النسيج الإجتماعي للمخيم، وكل ذلك عدا عن كون الإقتراحات البديلة غير ممكنة واقعيا في سياق حفظ الحقوق المختلفة وتناسبها.

في هذه المقالة تلخيص سريع لعملية الإعمار، لنبيّن السياق العام بشكل مهني، كما للمواقف التي صدرت عن تحركات المجتمع المدني الفلسطيني في نهر البارد، الممثل في هيئة المناصرة الأهلية التي تضم 37 مؤسسة مدنية في نهر البارد والتي نفذت إعتصاما سلميا يوم الإثنين 12 تشرين الثاني  في بيروت لكي توصل صوتها ضمن سلسلة نحركات سلمية تصعيدية، ولمواقف لجنة المتابعة العليا لإعمار نهر البارد المكونة من الأطياف الفلسطينية المختلفة (وقد دعت التنظيمات الفلسطينية بدورها إلى إضراب يوم الإثنين السابق في المخيمات).

تظهر جميع المواقف المدنية والسياسية الفلسطينية،على إختلاف توجهاتها، إضافة إلى الموقف الرسمي الفلسطيني سواء في لجنة المتابعة الفلسطينية العليا التي تضم جميع الأطياف الفلسطينية والتي أصدرت “نداء نهر البارد” في 10 تشرين الأول أو سفارة فلسطين أو مواقف السلطة أو منظمة التحرير، كما إجماع جميع سكان المخيم (الموقف في السجلات في عمليات تحكيم البيوت وتصميمها) المطالبة بإعمار مخيم نهر البارد بالحفاظ على نسيجه الإجتماعي العمراني، على أنها إجماع كامل يتعلق بالمخيم بما يمثله من بعد محوري للقضية الفلسطينية. كما أن السلطات المحلية، سواء اللجنة الشعبية في المخيم أو بلدية المحمرة، هي داعمة لإعادة إعمار المخيم في مكانه وبالحفاظ على نسيجه على الرغم من التحسينات في المساحات العامة والمتصلة بالتهوئة وبعض الراحة.

وفي إطار الإلتزامات الدولية فقد التزم ممثلو الدول العربية في إعلان المنامة للموائل في العام 2000 الذي أقره “ممثلو الحكومات العربية” بالإلتزام بـ”السكن الملائم” وبأجندة الموائل (السكن) Habitat Agenda، وجاء في النقطة 10، ب و ج خصوصا “العمل على الإقرار الكامل والمتقدم لحق السكن الملائم كما جاء في أجندة الموائل Habitat Agenda …” و”الإقرار بمشاركة السلطات المحلية كشركاء في تنفيذ أجندة الموائل Habitat Agenda “.

ومبدأ تهجير سكان المخيم أو أحياء فيه يتنافى مع القانون الإنساني بحق “السكن الملائم” كما صادق ممثلو الحكومات العربية في إعلان المنامة، وهي من المواثيق التي أسست منظمة الأمم المتحدة للسكن UN-Habitat التي أقرت بضرورة التعلم وتعزيز ما تسميه “التجمعات غير الرسمية”حول المدن في العام – التي يعتبر المخيم من ضمنها Informal settlements. وثمة مكتب دائم للمنظمة المذكورة في طرابلس ناشط في مخيم نهر البارد وجواره حيث اطلعت فيه على تخطيطات السكن الملائم لإعادة إعمار مخيم نهر البارد وتعمل على تعزيز السكن الملائم في نظاق المخيم الجديد أيضا.

المواثيق الدولية  لها مرتبة أعلى على القانون الوطني كما ينص القانون اللبناني (المادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية). وقد جاء أيضا في المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه”. ومن الجليّ أن نقل أسرة من بيتها إلى مكان آخر، على الرغم من اصرارها على عكس ذلك هي وكل الأسر الأخرى بسبب حقهم في “السكن الملائم” في سياق المخيم، هو تدخل تعسفي. وتشير المادة 25 من الإعلان نفسه “لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن”. وقد حددت الأسر في المخيم مفهوم “الرفاهة الكافي”، ووافقت عليه الحكومة، في سياق المخيم عبر إصرارها على الحفاظ على موقع بيتها بالعلاقة مع النسيج الإجتماعي العمراني (وموافقات جميع الناس على تحديد مساحات بيوتهم وموقعها موثق في سجلات تحكيم مساحات البيوت لدى هيئة إعادة الإعمار في المخيم كما لدى “الأونروا” في المخيم القديم).  

وهنا لا بدّ من التذكير بأن المخيم ونسيجه يدخل في حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، لأن تهجير المخيم أو تمزيق أحيائه، هو مسّ جوهري بالقضية الفلسطينية ولحق عودة اللاجئين المعترف به دوليا خصوصا في قرار الأمم المتحدة 194، حيث تتجمع الإرادة الفلسطينية لدى اللاجئين الفلسطينيين في المخيم ونسيج أحيائه المرتبط بقرى فلسطين. وقد جاء في المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه لبنان، بأنه “على الدول الأطراف في هذا العهد… أن تعمل على تحقيق حق تقرير المصير وأن تحترم هذا الحق”. وهو ما جرى تأكيده أيضا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الإجتماعية والإقتصادية.

كما أن الموضوع يطال الشق الحقوقي لبنانيا إضافة إلى الإلتزامات الدولية. وتحديدا في ذلك المبدأ القضائي القائم على مبدأ الحرية وحقوق الإنسان والمتمثل بـ”تناسب الحقوق”، الذي تكرس في القانون الإنساني الدولي. وفي أسفل المقالة أبرزنا نقاطا عدّة تظهر مبدأ تناسب الحقوق بالموازنة بين حق الآثار والحق الإنساني للاجئين بالسكن الملائم في سياق المخيم، وبأنه لا يُمكن أن يستخدم موضوع الآثار، والحق في الحفاظ عليها، ليكون على حساب حق عام آخر هو حق  الناس. بالسكن الملائم في المخيم. وذلك عدا عن كون الحلول المطروحة من قبل الجهة الطاعنة هي حلول غير واقعية عندما تتعلق بنقل سكان أحياء في المخيم “إذا اقتضى ذلك” بحسب ما جاء في بيانهم الأخير وإن كان ذا روحية تواصلية.

وقد أعلنت بعض الأطراف الفلسطينية (مثل هيئة المناصرة) بأنها ستتوجه بنفسها إلى القضاء اللبناني، كما الدولي بسبب المواثيق الدولية، في حال جرى تسييس موضوع حق سكن الناس في منازلهم. وبعد استشارات قانونية، تبيّن أن التوجه إلى القضاء اللبناني حاليا، عبر مذكرة رأي إلى مجلس شورى الدولة، يمكن أن يساهم في تأجيل صدور القرار الذين هم بأمس الحاجة إلى صدوره سريعا، لذلك امتنعت عن فعل ذلك حينها لئلا يجري تأجيل القرار المتوقع صدوره بعد أيام.

وسنستخدم أيضا في هذه المقالة توثيقا مهنيا دقيقا من قبل هيئة العمل الأهلي والدراسات لإعادة إعمار نهر البارد، الشريكة مع “الأونروا” في تخطيط المخيم القديم، كما من متابعتنا اليومية للإعمار هناك عبر مسؤوليتنا كمخططين.

مشروع إعادة الإعمار

قبل أيام من البدء الفعلي بإعادة إعمار مخيم نهر البارد، أصدر مجلس شورى الدولة قرارا يقضي بوقف عملية الطمر في المخيم . يأتي هذا القرار بعد سنتين من إنتهاء المعارك، ومن الإنتظار للمباشرة بعملية الإعمار التي تواجه معضلة بعد أخرى تتعلق بمصير ٢٠٬٠٠٠ لاجئ واحتمال كبير لتحويل تهجيرهم من حالة مؤقتة إلى واقع نهائي.

وكان قد عمل فريق مؤلف من “الأونروا”  وهيئة العمل الأهلي والدراسات لإعادة اعمار مخيم نهر البارد، وبمشاركة المجتمع المحلي وممثليه، على التخطيط والتصميم للمخيم القديم، وأجروا مفاوضات مطولة مع الجهات المختصة بإعادة اعمار المخيم، والتي تشمل: مكتب رئاسة الوزراء، مديرية الجيش اللبناني، مديرية التنظيم المدني، ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني. لذا، وخلال السنتين الماضيتين:

– انتهى تصميم ما يقارب ال-٧٠٠ مبنى من أصل ١٦٥٠ مبنى، وذلك من خلال دراسة مفصلة لواقع المخيم ما قبل الحرب، وإجراء ورشات عمل جماعية، و لقاءات شخصية مع كل عائلات الأحياء المصممة. جرى الإتفاق فيها بالنهاية مع جميع سكان المخيم على تحديد “السكن الملائم” عبر حفظ النسيج العمراني، بعد رفض إقتراحات أولية سابقة تتعلق بتشييد أبنية بدلا من المخيم ونسيجه. مقابل الإصرار على النسيج الإجتماعي للمخيم في أحيائه المختلفة وترابطها مع بعضها البعض، وبقاء كل بيت عائلة في مكانه بالنسبة إلى بقية البيوت والحيّ، وأن تكون أي عملية تحسين ضرورية مثل الظروف الصحيّة في الشمس والتهوئة وبعض المساحات العامة منسجمة مع مبدأ الحفاظ على النسيج الإجتماعي-العمراني..

– وافق مجلس الوزراء على المخطط التوجيهي الذي يحدد “السكن الملائم” لسكان المخيم (استغرق ذلك ٢١ شهر من إنتهاء المعارك؛ وقد إضطر الفريق إلى تقديم ٢٤ إقتراح مختلف للمخطط التوجيهي قبل أن توافق الأطراف المختلفة على المخطط النهائي).

– وافق التنظيم المدني على المخطط التفصيلي للرزمة الأولى في المخيم القديم، والمكون من ثماني رزم. ومن المفترض أن يبدأ العمل في الرزم تواليا، ابتداء من الرزمة الأولى، ليبدأ المخيم بأخذ شكله تدريجيا، حيث يفصل العمل في كل رزمة مدة زمنية عن الآخرى، وبسبب عدم وصول نقود لإعمار إلا لثلاث رزم. 

–  أصدر مجلس الوزراء أخيرا قرار الاستملاك، بعد تأجيل التصويت عليه جلسة تلو أخرى.

– بدأ المتعهد عمله أخيرا في الرزمة الأولى في المخيم القديم في الأول من تموز العام 2009. لكن عمله تأخر بسبب التنقيب عن الآثار.

–   تشكلت لجنة حي في الرزمة الأولى للمخيم في تموز العام 2009، والتي تضم مهندسين ومعماريين، لمتابعة سير عملية الإعمار في رزمتهم على الأرض. وحدث لقاء في بداية شهر آب بين لجنة الحيّ  ومخططي “الأونروا” عبر تسهيل من قبل هيئة إعادة الإعمار. ووجهت فيه أسئلة دقيقة عن عملية الطمر ومتانة الأساسات المسطحة ليطمئن السكان إلى أنها أساسات متينة للبيوت. وامتد اللقاء ساعة كاملة حول هذا الموضوع تحديدا بين سؤال وجواب مهني، وعرضت فيه مخططات الأساسات المسطحة وتجارب أخرى اعتمدت فيها مثل عملية الطمر هذه، إلى أن اطمأن ممثلي الحيّ إلى أن طبقة المتر ونصف المتر مضغوطة بشكل جيّد وبأن أساسات بيوت أحيائهم سوف تكون متينة. فالطمر لا يعني حفظ الآثار فحسب، بل هو لضمان وجود أساسات متينة للبيوت أيضا.

–    ولم يتمكن المتعهد من بدء العمل إلا بطئيا، بعد أخذ توجيهات الموافقة على الطمر من قبل فريق التنقيب عن الآثار الذي أرسلته المديرية العامة للآثار، حيث انتهت من التنقيب في بعض أجزاء الرزمة الأولى، ورصّت الحجارة الأثرية المرقمة بحسب كل حجر، وبدأ عملية الطمر الدقيقة في جزء، وأنهى ثلاث طبقات مضغوطة بارتفاع 75 سم من دون تمكنه من إكمالها لتصل إلى متر ونصف المتر، قبل وضع طبقة اساسات مسطحة اسمنتية، وذلك بسببق قرار وقف عملية الطمر لمدة شهرين.

 قضية الآثار

في آذار العام ٢٠٠٩، أكتشف وجود آثار تحت أنقاض المخيم القديم. عندها أصبحت مديرية الآثار جهة جديدة معنية بمشروع إعادة الإعمار إضافة إلى الجهات الأربع المذكورة. فأجرت دراسات مبدئية على نوعية الآثار المكتشفة، واصدرت بعدها تقريرها الفني، الذي تم على أساسه الإتفاق مع “الأونروا” ومكتب رئاسة الوزراء على آلية تضمن المباشرة بعملية إعادة الإعمار و حماية الآثار المكتشفة. فتم الإتفاق على إتباع الخطوات التالية في كل رزمة على حدا:

١- يُجري إختصاصيو مديرية الآثار التنقيب عن الآثار المتواجدة.

٢- تُوثق الإكتشافات.

٣- تُردم الآثار المكتشفة بإرتفاع متر ونصف المتر من التراب المضغوط، وهذا الأسلوب هو وفقا للمعايير الدوليةً كطريقة لحماية الآثار.

٤- يتم إنشاء أساسات مسطحة slab  كي لا تتضرر الآثار بالبناء. وأي حفر في المستقبل سوف يضر باساسات البيت والحيّ في آن واحد.

على هذا الأساس اصدر مجلس الوزراء قرارا بردم الآثار والمباشرة بإعمار مخيم نهر البارد. وبالفعل، شهدنا على ذلك بأنفسنا، واستغرق التنقيب عن الآثار وقته، وأجل من عملية البدء بالإعمار- ويمكن سؤال المتعهد الذي التزم الإعمار هناك. لكن الإشكالية المثارة استفادت من أن عدم إبراز دور مديرية الآثار والمراحل المهنية لعملية التنقيب والتوثيق للرأي العام. وهو ما أضعف قرار مجلس الوزراء وسمح بالطعن به من أي جهة ترغب في تعطيل المشروع أو في استهداف الحكومة.

قرار مجلس شورى الدولة والجدل القانوني الإنساني

لم يعترض أهالي المخيم على الخطوات المتبعة لحماية الآثار رغم ما تسببه من تأخير لعملية الإعمار، ورغم أن تمويلها يأتي من المبلغ المخصص لإعادة اعمار نهر البارد الذي لم يكتمل (تأمن التمويل لثلاث رزم فقط من أصل ثماني)، وهو أمر لا يُمكن الإستهانة به في حق اللاجئن في السكن سريعا وتوفر الأموال لا الأخذ منها. لكن بعد التطورات الأخيرة، تخوف الأهالي من التحجج بالآثار لوقف الإعمار كما استخدام المخيم لتسجيل مكاسب سياسية داخلية خصوصا مع ترافق تعطيل الإعمار مع مواقف ضد حق التملك للفلسطينيين أو تكرار ما اعتبر “فزّاعة” التوطين لمجرد أن الناس ستسكن في بيوت وتحسن من البنية التحتية بحسب أحد التصريحات السياسية المعترضة (وهو الذي عبّرت عنه خصوصا المواقف السياسية الفلسطينية). 

يكمن مصدر للتخوف أيضا من عدم استشارة  الأهالي في المطالعات القانونية المختلفة المقدمة. كما أنه ليس هناك من حل واقعي بديل عن إعادة اعمار المخيم في موقعة السابق تحديداً. بالرغم من أن الجهة الطاعنة ذكرت مؤخرا وتكرارا بأن الهدف ليس منع الإعمار بل فقط حماية الآثار، ووضعت على الطاولة حلولاً نظرية، غير عملية، ولا تلقى قبول أهل المخيم ولا الجهات المعنية بإعادة الإعمار. فقد  إقترح “التيار الوطني الحر” أن تستملك الدولة الأراضي في المخيم الجديد وتبدأ الإعمار فوقها، بينما تحول الآثار في المخيم القديم إلى مركز سياحي. وجرى التواصل تكرارًا بين لجنة من قبل “التيار الوطني الحر” وأطراف فلسطينية معنية. وجرى خلالها النقاش بهدوء وشرح مهني وإنساني للمعاناة في نهر البارد كما لموضوع حفظ الآثار. وقد أصدر التيار توضيحات إعلامية إثرها أكد فيها حرصه على “إعمار المخيم سريعا”، والحفاظ على “نسيجه الإجتماعي”، وعلى حق الإنسان الفلسطيني بالعيش الكريم ، وأخيرا- وهنا تفصيل للإشكالية- طرح نقل بعض الأحياء عبر إستملاك الدولة لأراضي محاذية “إذا اقتضى الأمر”، أي في حال اكتشفت “آثار مهمة”، وذلك بحسب بيان التيار الوطني الحر في بداية تشرين الأول.

والواقع، أن الحفاظ على النسيج العمراني-الإجتماعي لمخيم نهر البارد، كما بيّن “التيار الوطني” مؤخرا، إضافة إلى الحق الإنساني كما وضح “التيار” أيضا مؤخرا، هما من ضمن القانون الإنساني، لا ينسجم مع تهجير أي حيّ في المخيم إلى مناطق مجاورة أو أخرى في حال اكشتفت آثار هامة، عدا عن كونه غير واقعي ولا مقبول.

فإذا كان “التيار الوطني” متخوفا من دقة عملية التنقيب والطمر التي وصفها بـ”العشوائية”، فله كل الحق في التأكد من موافتها للدقة والمهنية، ونحن على ثقة وإطلاع كامل بأنها كانت تجري بمهنية عالية (على خلاف تصريح في سياق المساجلات الإعلامية المختزلة لمحامٍ تحدث فيها عن أن الطمر لم يكن مهنيا). وربما كان عدم الإعلان للرأي العام والإعلام عن المراحل المهنية في عملية التنقيب، والتوثيق، والطمر، قد أثار حفيظة صحافية وتيار سياسي، مقابل دفاع عدد كبير من الصحافيين ممن يتابعون تطورات الإعمار في نهر البارد ويملكون تصاريح أمنية تمكنهم من الدخول إلى المخيم ومعاينة الأمور واقعيا. أما أي إقتراح بنقل سكان المخيم أو أحياء فيه إلى أرض مجاورة تستملكها الدولة فهو لا ينسجم مع ما نادى به “التيار الوطني” حول الحق الإنساني والسكن والنسيج الإجتماعي- وهو ما نود توضيحه- كونه أمرا غير واقعي بالإمكانيات (كما سنوضح في الأسفل)، ولا هو مقبول كما عبرت جميع الأطراف الفلسطينية وأطراف لبنانية اساسية سواء من المجتمع المدني أو من القوى السياسية، وذلك لعدة أسباب:

–  أولاً، إن أراضي المخيم الجديد ليست أراضي فارغة يمكن استملاكها؛ إنها بالمجمل مبنية، وكل عقار مملوك من قبل عدة أشخاص، معظمهم فلسطينيين من أهل المخيم تحت وضع قانوني شديد التعقيد يخص الفلسطينيين (تملك الأراضي قبل صدور منع الفلسطينيين من التملك في العام 2001) كما عبر طرق تسجيل الأراضي التي غالبا كانت عبر كتّأب عدل كما هو الحال في غالبية القرى اللبنانية. لذا، فإن استملاك هذه الأراضي، كما طالب “التيار” هو غير منطقي وله تعقيدات قانونية تخص وضع الفلسطينيين عدا عن تمزيقه لنسيج المخيم القديم كما سنوضح لاحقا. وبالعودة إلى مبدأ تناسب الحقوق، وتقديم طرح بديل يضمن الحقوق الإنسانية المختلفة والسكن الملائم إلى جانب حق الآثار، فليس هناك من طرح واقعي آخر، من خارج التصريحات الإعلامية والنظرية، يراعي مبدأ تناسب الحقوق ضمن الممكن واقعيا وإنسانيا.

–  ثانياً، إن المخطط التوجيهي للمخيم القديم مصمم ليناسب شكل وموقع المخيم السابق وعلاقات بيوته وأحيائه بعضها ببعض؛ فأي تغيير في الشكل أو الموقع يعني بالضرورة إعادة تصميم المخطط والـ ٧٠٠ مبنى المنتهية تصميمها. بالتالي أي تغيير يعني إعادة العمل على التصميم من الصفر أو من مراحل أولى، واضاعة مجهود سنتين من العمل بما فيها تكاليفها وسط ضيق مالي. إضافة إلى أن كل تأخير له آثار إنسانية إضافية غير محتملة على السكان المشتتين  ولتوضيح هذه النقطة سريعا، فإن مؤسسات إجتماعية فلسطينية في مخيم نهر البارد لحظت عبر الدراسة والمراقبة آثارا نفسية وإجتماعية- متعلقة خصوصا بالعلاقات بين الأهل والجيرة- كما آثارا صحيّة- تكرار أمراض معينة مثل الربو وأمراض جلدية متعلقة بالرطوبة والحر والبرد الشديد، خصوصا لدى سكان تجمعات البركسات الحديدية.

–  ثالثاً، إن المخيم القديم هو عبارة عن أحياء مترابطة، و متداخلة مع محيطها جغرافياً وإجتماعياً وتشكل معه نسيجا إجتماعيا متكاملا يحمل ذاكرة قرى فلسطين في أحياء المخيم (أحياء صفوري، سعسع التحتاـ سعسع الفوقا، الدامون، وغيرها). ونتمنى أن تكون الجهة المدافعة تملك خرائط إجتماعية نملكها توضح هذه الأبعاد. كما أن المخيم القديم هو نواة المخيم الجديد وقلبه. لذا فإن فصل المخيم، أو أحياء فيه، عن محيطه من خلال تغيير موقعه يؤدي إلى تفكك هذا النسيج الإجتماعي والعمراني وتمزيف المخيم من الداخل، كما إلى إضعاف حق العودة عمليا بسبب إرتباط ذاكرة فلسطين الحيّة في قرى-أحياء فلسطين. (عبّرت عن قضية النسيج وحق العودة جميع بيانات الإعتصامات المدنية في كل من نهر البارد وطرابلس وبيروت)

– رابعا، تحدثت دعوات لـ”التيار الوطني الحر” عن الأهمية الإفتصادية السياحية في حال إكتشاف آثار مهمة ليستفيد منها أهل عكار والمخيم. من الضروري التوضيح أن عودة الإعمار، وبالتالي عودة سوق المخيم الذي كان مركزا تجاريا لكل المناطق المخيطة به في عكّار والشمال، هو أهم مشروع إقتصادي (بدءا بلقاء عبر وفد مشترك ضمّ هيئة إعادة الإعمار و”الأونروا” و  Habitat   UN إلى بلدية المحمرة في بداية تشرين الأول 2009 لسؤالهم حول الآثار الإقتصادية، وعبّر عن ذلك بيان اعتصام نهر البارد). ومن الضروري التوضيح أيضا أن سوق المخيم مرتبط عضويا بالنسيج العمراني الإجتماعي للمخيم، وتحديد في شارع أبو ليلى. فليس السوق بضائع معروضة في محلات فحسب، بل هو نسيج وعلاقات وثقة وتديين للناس بحسب المعرفة، وهو الذي ساهم جديا في إعطاء سوق المخيم مركزية.

– خامسا، لا يُمكن الجزم بوجود مدينة “أرتوزيا” (وهي بكل الأحوال مدينة صغيرة بحسب مصادر تاريخية اعتمدت عليها صحافية معترضة) أو إكتشافات أثرية هامة قبل إنتهاء عملية التنقيب (عبّرت عن ذلك مواقف أهالي من المخيم يملكون ورقة رسمية تناقشوا فيها مع أطراف لبنانية). ولا يبدو أن الإنتهاء من التنقيب في الرزمة الأولى، بحسب متابعتنا، قد خرج بنتيجة آثار هامة. ولا نعلم إن كان مجلس شورى الدولة قد تمكن من الإطلاع على  تلك الورقة الرسمية التي اطلعنا عليها الموقعة من قبل بلدية بحنين المجاورة لنهر البارد التي تؤكد وجود أرض “أرطوسة” وهي المعروفة بهذا الإسم حتى الآن في نطاق بلدة بحنين، أي خارج نطاق المخيم.  ولكن بكل الأحوال، فالقضية الأساسية ليست هنا، بل في مبدأ تناسب الحقوق. وما نود الإشارة إلى التخوف منه هو الدخول في مماطلات جديدة وجدل حول الآثار “المهمة” أثناء التنقيب مستقبلا، في سياق عملية إعداد للإعمار شهدت تأخيرا كبيرا لمدة عامين من دون البدء في بناء أي حجر واحد لبيت واحد، وفي سياق فرض أمرا واقعا على اللاجئن المشتتين خارج بيوتهم. فلا بدّ من سياسة تنقيب ديناميكية وسريعة تحفظ حقوق الناس بإعادة بناء بيوتهم بالسرعة الممكنة. وفي حال اكتشفت آثار “هامة”، فمن الضروري البحث عن بدائل عملية وسريعة لنقلها إلى مكان آخر ثم الطمر (وهي سياسة متبعة في كثير من الآثار الهامة ومنها الفرعونية)، لا اللجوء إلى حلول غير واقعية ولا إنسانية تتعلق بتمزيق نسيج المخيم.

– سادسا، لقد تعرض مخيم نهر البارد إلى تهجير لثلاث مرّات منذ نكبة العام 1948، بداية إلى جنوب لبنان فالقرعون (لمدة عامين) ثم إلى نهر البارد ثم تهجير الحرب الأخيرة، مما تعنيه كل هجرة من تمزيق إجتماعي وإنساني. المطلوب هو بلسمة جروح التهجير الأخير، والذي يعني العيش في برسكات حددية لا إنسانية أو كراجات منذ عامين، وكل ما يولده ذلك من آذى إنساني وإجتماعي لا يقبله أي منادي بالحق والواجب الإنساني، الذي هو مصدر أساسي في أي قانون وتشريع ودستور (عبّر عن ذلك ببيانات إعتصامات نهر البارد وطرابلس وبيروت). ويأتي هذا أيضا في سياق تخوف فلسطيني، مشروع تماما، من ذاكرة تهجير مخيمات وعدم تكفل الدولة بالعودة إليها (النبطية الذي قصفته إسرائيل، وتل الزعتر وجسر الباشا خلال الحرب اللبنانية). وهو ما يستدعي التعامل بحساسية كبيرة مع إقتراح تهجير مخيم جديد أو أحياء فيه. ولا بدّ من التذكير أن حيّا في المخيم الجديد يحمل أسم “حي المهجرين” يقطنه بعض مهجري تل الزعتر. أو التخوف المشروع تماما من مماطلات في عملية إعادة الإعمار ومنها في موضوع الآثار . وقد حدث- ونملك توثيقا على ذلك بالصور- كيف جرى تعطيل العمل لأكثر من أسبوع بسبب مزاجية أحد العاملين هناك حيث سيّجت مساحة واسعة حول حجر عادي.

– سابعا، من الضروري التنبه إلى أن أحد مرتكزات السياسة الإسرائيلية يقوم على سياسة الآثار وبناء هوية وطنية تاريخية بالضد من “الآخر” الفلسطيني كما أنها تستخدم لتهجير الفلسطينيين في الآن ذاته، كما يذكر كتاب ناديا أبو الحاج “سياسة الآثار الإسرائيلية” (بالإنجليزية) الموثق بعناية (عبّر عن ذلك بيان إعتصام طرابلس في 16 ايلول). وهو أمر عانى منه الفلسطينيون في الداخل طويلا ليس في القدس وحدها بل في كل فلسطين. وعلينا أن نتعلم من ذلك ومن التنبه إلى حساسية إستخدام هذا الموضوع بحق الفلسطينيين أينما كان.

– ثامنا، إننا نتعامل هنا مع أرض مسكونة جرى إكتشاف آثار تحتها. وبالتالي، لا يمكن تهجير أناس قرية أو حيّ مديني أو مخيم بسبب وجود آثار أسفلها، وهي كثيرة في لبنان الذي هو تراكم حضارات. ومن تجربة مثلا في إعادة إعمار قرية في جنوب لبنان، كان هناك مدينة رومانية قديمة تحت بيوت نواة القرية القديمة التي تدمرت جرّاء حرب تموز 2006. ولكن القرية مأهولة حتى لو تدمرت البيوت بفعل الحرب- الذي هو استثناء ومؤقت. وقد ضمن الحق للناس بإعادة إعمار بيوتهم (حتى من دون مراعاة حفظ الآثار أسفلها وتوثيقها كما يجري في نهر البارد). لقد ترك أهل نهر البارد بيوتهم تسهيلا للجيش اللبناني لحربه ضد تنظيم “فتح الإسلام” وبناء على وعود حكومية علنية وعدتهم بتأكيد عودتهم وإعادة إعمار مخيمهم. فلا يمكن الآن التعامل مع المنطقة على أنها أرض فارغة جرى إكتشاف آثار تحتها، أو التراجع عن الوعود الرسمية.

– تاسعا، وهي النقطة التي تشمل كل ما سبق وتلخصه، ثمة قانون لحفظ الآثار وثمة مبادئ قانونية تتعلق بالحق الإنساني العام و”السكن الملائم”، وثمة مبدأ تناسب الحقوق كما يظهر قضاة ومحامون لبنانيون والمكرسة في القانون الدولي الإنساني (عبّر عن ذلك بيانين لهيئة المناصرة في إعتصام طرابلس وبيروت). فلا يمكن أن يكون حق الآثار على حساب حق الناس بسكنهم ونسيجهم ووقف نزيف تشتتهم منذ عامين، وخصوصا في سياق المخيم الذي له خصوصيات إضافية متعلقة بفلسطين وذاكرة القرى فيها وحق العودة وكونها قضية حق إنساني دولي يمثل المخيم الفلسطيني واحد من تجسيداتها الأكثر أهمية وعملية، وهو ما حدده الناس بالسكن الملائم وأقرته الحكومة. كما لا يمكن أن يكون حق الناس على حساب تدمير الآثار أو عدم توثيقها والتنقيب عنها والتعلم منها وحفظها. لذلك، فإن تناسبية الحقين، حق الآثار وحق الناس، كما عبر عنها قرار التنقيب عن الآثار وتوثيقها وحفظها ثم طمرها بمهنية- بغض النظر عن طريقة إخراجع الضعيفة أمام الرأي العام- ثم إعادة إعمار المخيم بالحفاظ على نسيجه العمراني-الإجتماعي، هو أفضل تناسبية في الحقوق، ضمن الحلول الواقعية الممكنة أمامنا، وإلا فإن هناك خللا واضحا في الحق الإنساني.

ماذا بعد؟

ليس الحديث هنا نظريا وحقوقيا فحسب، بل هو يطال أيضا بعض التجارب القليلة التي حدثت في العالم عندما جرى التعامل مع الآثار بقدسية وبالتناقض مع الحق الإنساني. ذكرت، على سبيل المثال، دراستان بحثيتان (سيتني شامي ولورا بيرد) إلى نتائج تهجير سكان قرية أم قيس، شمال الأردن، بسبب إكتشاف آثار رومانية أسفلها. فقد حدثت كارثة إجتماعية بحق السكان الذين ظلوا يعترضون منذ العام 1975 بشكل متواصل، بل جرى بالنهاية التنبه إلى أهمية نسيجهم العمراني كما عمارة بيوتهم وإن لم لم تعجب البعض كونها قرية صغيرة قديمة ومعزولة، ومن قبل البعثة الألمانية نفسها التي اقترحت التنقيب عن الآثار سابقا. وبالنهاية، أخذت جمعية حماية الآثار في الأردن موقفا ضد تهجير سكان القرية، وطالبت بإعادة تأهيل القرية.

لن يكون سكان مخيم نهر البارد أقل حراكا من أهل قرية أم القيس، بل على العكس. لقد صمت طويلا أهالي نهر البارد لمدة عامين على أمور شتى وذلك في سبيل البدء بإعمار بيوتهم. لكن عملية الإعمار توقفت! فأعلنوا أنه بعد توقيف الإعمار “سيكون ردنا شاملا” (كلمة إعتصام نهر البارد في 31 آب). وقد بدأوا تحركاتهم التصعيدية المدنية من اعتصام نهر البارد الحاشد على حدود المخيم القديم بمشاركة المجتمع المدني واللجنة الشعبية والفصائل كافة، ثم بمؤتمر صحافي في مخيم البداوي، ثم بإعتصام في طرابلس بمشاركة من المجتمع المدني في طرابلس وجوار المخيم في 16 أيلول. ودعت الفصائل الفلسطينية على إختلافها إلى إضرابين على مستوى المخيمات كافة. وأعلن التحرك المدني، إضافة إلى الإعتصامات المدنية، أنهم بصدد التوجه إلى القضاء اللبناني والدولي في حال لزم ذلك. ولوحوا باللجوء إلى العصيان المدني (كما في كلمة الإعتصام في مخيم نهر البارد في 31 آب). واعتبروا عن حق بأن أي محاولة لنقل بيوتهم وأحيائهم أو مخيمهم هي “تهجير لمخيم جديد أو تمزيق أحياء فيه” كما جاء في دعوة إعتصامهم في ببروت في 12 تشرين الأول. لقد وصل الحراك في مخيم نهر البارد إلى تراكم، وأظهر قدرته في التحرك المنظم وبزخم. في إعصام بيروت يوم الإثنين، هبّ ناس من كل المخيمات، ولأول مرّة على موضوع داخلي يخصهم في لبنان منذ زمن، وأعلنت الإضرابات في المخيمات، وثمة مشاركة لهيئات مدنية لبنانية ذات رمزية.

     فهل كل ذلك كفيل بأن يُسمع صوتهم؟ وهل يُمكن أن تعالج الأمور مدنيا وحقوقيا كما عبّر الفلسطينيون بتحركاتهم المدنية، وحواراتهم مع كافة الأطراف، أم ستوجه ضربة للحراك المدني السلمي التواصلي؟

على مدى عامين، كان المخططون والمهندسون والفاعلون من الناس في تخطيط المخيم وإعادة إعماره يزرعون الأمل في نفوس أناس المخيم بتأكيدهم أن المخيم سوف يُعاد إعماره في مكانه وبنسيجه. وغالبا ما كانت ردود الناس محبَطة، متشائمة، وغير مصدقة، وهم الممنوعون من العودة إلى بيوتهم، ممزقون بين البركسات والمخيم الجديد والبداوي والقرى. على مدى عامين، كان الفاعلون في عملية الإعمار يمتصون إحباط كثير من الناس وعدم تصديقهم، ويجهدون بلا نجاح دوما لتحويله إلى أمل وثقة بالإعمار، ويحثون قدر إمكانهم الجميع على الإيجابية والعمل. اليوم، المخططون والفاعلون في عملية الإعمار ينتابهم تخوف فعلي رغم ثقتهم بعدالة قضيتهم. فلم يعد مستغربا أن تشاهد مسؤولا كبيرا في عملية الإعمار يائسا خلف مكتبه ومترددا عن القيام بعمل جدي.

لجأ الفاعلون في إعتصامهم في بيروت إلى أطفال نهر البارد الذين صنعوا بيوتا، من كرتون هش، لتعلق على أعناق المعتصمين مشيرين أنهم لا يعرفون أين يضعون بيوتهم. استنجد الفاعلون بالموسيقيين والمغنيين ليغنوا آخر أغنية أمل قبل أن يصدر قرار مجلس شورى الدولة. وإستنجد المعتصمون في بيانهم في طرابلس بشعر محمود درويش للتواصل بالقول:

وأنت تعود إلى البيتِ، بيتكَ، فكر بغيرك/ [لا تنس شعب الخيام]/ وأنت تنام وتُحصي الكواكب، فكر بغيرك/ [ثمة من لم يجد حيّزاًً للمنام]/ وأنت تُحرّر نفسك بالاستعارات، فكر بغيرك/ [من فقدوا حقهم في الكلام]/ وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكر بنفسك
[قل: ليتني شمعة في الظلام]…

هي دعوة ضد الأنانية، فعندما تفكّر بما تحت الأرض، وبالآثار، لا تنسى من يعيشون فوقها”.

 

* مخططان مدينيان في هيئة العمل الأهلي والدراسات لإعادة إعمار نهر البارد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: