اعتصـام شبـاب نهر البارد فـي يومـه العـاشـر

السفير – 26.06.2012
إسماعيل الشيخ حسن

يستمر شباب «ساحة تحرير مخيم نهر البارد» باعتصامهم المفتوح… يلتف حولهم أهالي المخيم، يثنون عليهم ويشجعونهم، فقد حققوا خلال بضعة أيام ما فشلت في تحقيقه الفصائل الفلسطينية و«الأونروا»، و«لجنة الحوار»، وعشرات العشرات من الهيئات، واللجان، والمؤسسات، والسفارات، في خمس سنين مضت.
بتحركهم، أعادوا لأهالي المخيم كرامتهم وإحساسهم بالأمل وبقدرتهم على تغيير واقعهم. أعادوا إعمار مجتمعٍ قد تشتت بفعل تدمير مخيمه، وعلاقات اجتماعية واقتصادية تقطعت بفعل إنشاء جدران وحواجز وتصاريح عسكرية، ومبادرات أهلية تفتتت من جراء انقسامات فصائلية فلسطينية. أعادوا فتح قضية نهر البارد كقضية سياسية وحقوقية بامتياز. وفرضوا واقعاً جديداً على كل المسؤولين عن الحصار والحالة العسكرية حول المخيم: فالمخيم لن يقبل استمرار هذه الحالة بعد اليوم. والاعتصام مستمر حتى تحقيق مطالب المعتصمين والأهالي.

 
وعلى من يتساءل «لماذا تحركوا الآن؟»، أن يراجع مجموعة من الوقائع والأحداث حول المخيم قد تم تغييبها عن الوعي العام. فللأسف وضع تحرك الشباب في سياق «المؤامرات الإقليمية»، وفي سياق مجموعة الأحداث الراهنة في شمال لبنان. السياق الحقيقي لهذا التحرك هو خمس سنوات من الانتهاكات الجسيمة بحق أهل المخيم التي غاب عنها أي نوع من المحاسبة أو الملاحقة القانونية لدولة ادعت حينها «إعادة سلطة القانون» إلى المخيم، التي يمكن أن تعتبر جزءا من تاريخ أطول لتهميش الفلسطينيين في لبنان وإقصائهم بفعل قوانين عنصرية. ففي اعتصام سلمي في العام 2007، طالب بعودة الأهالي إلى نهر البارد وعدم تدمير المخيم، حصل قرب حاجز للجيش في مخيم البداوي، أطلقت النار على المعتصمين، ما أدى إلى استشهاد شابين وجرح العشرات برصاص الجيش. كما روى شهود عيان لذلك الاعتصام، وحتى اليوم لا تحقيق ولا محاسبة. وبعد انتهاء المعركة في نهر البارد وتدمير مئات المباني في المخيم، حرق ونهب ما تبقى من البيوت غير المدمرة بالرغم من سيطرة الجيش الكامـلة على أرض المخيم (بحسب روايات الأهالي، وتقرير لـ «مؤسسة العفو الدولية»)، لم يحاسب أو يحاكم أي طرف ضالع بذلك.
والأهم من كل ذلك، أنه بعد تدمير مخيم بأسره (في معركة بين الجيش وتنظيم إرهابي، وصل عناصره من خارج المخيم) لا يوجد حتى اليوم تحقيق عام ومحاسبة لمن موّل ودعم ذلك التنظيم. وبغياب «المذنب» يحاسب أهل المخيم لخمس سنوات باعتقالهم في مخيمهم. من هذه الوقائع يتغير السؤال جذرياً: لماذا انتظر أهل المخيم خمس سنوات طويلة ليرفضوا هذه الأوضاع المهينة؟ الاعتصام أنهى يومه العاشر، ويستمر «فرضيا»ً لـ 21 يوماً آخر، وذلك فقط إذا أزال الجيش الحالة العسكرية في أول رمضان حسب «الوعود» .
هل ستتحقق فعلاً تلك الوعود؟ لماذا يؤجل رفع الحالة العسكرية إلى ذلك التاريخ؟ وهل القرار بإزالتها عسكري أم سياسي؟ ومن هي الجهة المخوّلة بتقديم الوعود والوفاء بها؟ لا أحد يعلم. لكن الشباب مستمرون حتى تتحقق مطالب الأهالي بفتح المخيم ومحاسبة المسؤولين عن استشهاد ثلاثة شبان وجرح وتوقيف العشرات في الأسبوع الماضي. وإلى ذلك الحين يستمر الشباب بإصرارهم واعتصامهم، يعلقون أعمالهم ورزقهم في سبيل استعادة حريتهم. ينظمون أنفسهم في اللجان، ويوزعون المهمات في ما بينهم. يحمل بعضهم صناديق جمع التبرعات لدعم الاعتصام الذي يتسارع الأهالي لدعمه. آخرون من لجنة النشاطات يرفعون علم فلسطين عالياً، وشاشة لعرض أفلام وثائقية مختلفة عن فلسطين، وصمود أهلها تحت الاحتلال وفي المنفى بينما يخططون لنشاطات متنوعة لإحياء الاعتصام يومياً. وفي الوقت نفسه تسهر لجنة الانضباط على حفظ الأمن والطابع السلمي للاعتصام.
آمال المخيم كلها معلقة على شباب الاعتصام. يطلبون من أي زائر «تضامنوا معنا أينما كنتم!»، فاعتصامهم بالرغم من روعته «مسجون»، لا تراه عدسة الإعلام ولا عامة الناس في لبنان. انقلوا واقعنا وقضيتنا واعتصامنا للخارج فلا أحد يرانا في هذا القفص!

وتحت العبء الكبير الذي يحمله شباب الإعتصام – سيتردد أي زائر من إعلامهم حقيقة قد تزيد عليهم وزرا آخر:
إن تحركهم يمثّل أهم تحرك شبابي فلسطيني في لبنان منذ ثلاثة عقود على الأقل ونتيجته سوف يكون لها تأثير جذري على قدرة الشباب الفلسطيني في تغيير واقعهم الحياتي والسياسي في لبنان.

رغم آمال الشباب العالية فتحركهم في خطر دائم . فهو محاصر بين سياسة الدولة العنصرية والأمنية إتجاه الفلسطينيين، وإنقسامات لقوى فلسطينية تقليدية من جهة، ومحاولات لبعضها إستغلال حركة شبابية عفوية همها فقط قضية نهر البارد وكرامة أهله لمآرب أخرى. ومع ذلك خلق إعتصام الشباب أهم دفعة لتوحيد الموقف الفلسطيني الرسمي في لبنان اليوم حول قضية مخيم نهر البارد.

وفي هذا السياق ورغم كل المخاطر،  يستمر تعليق الآمال على إعتصام شباب نهر البارد الذي يمثل لكل من يزوره ويتعرف عليه : أهم تحرك في هذه المرحلة  يعبر عن رفض الفلسطينيين لواقعهم المهمش والمذل وإرادتهم بالتغيير والعيش بكرامة .

About these ads

Tags: ,

One Response to “اعتصـام شبـاب نهر البارد فـي يومـه العـاشـر”

  1. marcy/مارسي newman/نيومان Says:

    Reblogged this on body on the line.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: